Get Adobe Flash player
Facebook Twitter Google Bookmarks RSS Feed 

إن فلاح وفوز ونجاح جميع الإنس والجن هو فقط في إمتثال أوامر الله عز وجل، على طريقة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

ونؤكد لأنفسنا وللجميع أن النت أو القراءة هي حوافز وتعليم ولا تغني عن تحريك الأقدام ومفارقة الأهل والأوطان لإعلاء كلمة الله فينا وفي العالم

فهكذا يتم تحصيل ونشر الدين

 
السؤال
السَّلام عليْكم ورحْمة الله وبركاته، وبعد:
أنا كاتبٌ أديب، أكتبُ هنا وهناك، ولي مدوَّنة جميلة يرتادُها بعض المُعجبين بما يجودُ به يَراعي، كما أني أكتبُ في بعض المنتديات، غير أنَّ ما يُضايقني كثيرًا ويَجرحني بشدَّة هي بعض الشتائم التي تأتي من بعض الحاسدين أو الحاقدين، أو ممن هُو طيِّب لكنَّه يظنُّ بي سوءًا؛ جرَّاء خداع الشيطان له وتلبيسه عليه، فأشعر بجرحٍ كبير وضيق صدرٍ متواصل، حينما أقرأ لمن يطعن بشخْصي أو بديني خصوصًا، وأجلس لعدَّة أيَّام متكدّر البال ضائق الصدر، لا أفكِّر سوى في ذلك التَّعليق الذي نال مني، وكيف أستطيعُ الرَّدَّ عليْه أو الانتقام منهُ، كلّ ذلك من أجل ردٍّ لا يتجاوز السَّطرين، يُريدُ بهما كاتبُهما أن يكسرني وأن يوقف من عزيمتي حسدًا وحقدًا، وأعلمُ جيِّدًا أنَّه لا تؤثر شتائمه هذه في أحد، فالأغلب يُحبُّونني ويثقون بي ويتشوَّقون لما أكتب، ولا يصدِّقون مثل هذه الكتابات، فلماذا أتضايق؟ ولأجل أيِّ شيءٍ أحزن ولهذه المدة الطويلة؟
أعلم جيدًا أنَّ البارز لا بدَّ له من الأعداء، ومن لا يريدُ أن يُنتقد أو يُشتم، فلا يفعلنَّ شيئًا ولا يقولنَّ شيئًا.

ومع ذلك أحزن ويَضيق صدري ويضطرِب جسدي، بمجرَّد رؤية اسم شخصٍ ما قد لمستُ منه العداء يومًا ما!
أشعرُ بالإعجاب الشَّديد بأولئك الكتَّاب الذين تنهال عليْهِم مئات الشَّتائم يوميًّا، ولا تهزُّ فيهم شعرة واحدة! ويكتبون بتواصُل مستمرّ، ولا يضيرُهم كلامُ النَّاس شيئًا، هل أستطيع أن أصل إلى مرحلتهم؟ وكيف ذلك؟ وما السَّبيل إلى قمع الحساسية المفرطة لديّ، وكبح جماح العاطفة التي تهيج عندما ترى تعليقًا يريدُ منه صاحبهُ أن ينالَ مني؟ وما الطريقة المثلى للرّدّ على من يريدُ كسركَ لا انتِقادك بصدق؟ هل هو الرد ببرود؟ أم تركهُ وهجرهُ حتَّى يملَّ ويكلّ؟
وجزاكمالله كلَّ خير.


الجواب:
 

لا تَلُمْهُ إِنْ شَكَا مِنْ دَهْرِهِ فَهْوَ بَيْنَ النَّاسِ مَنْبُوذٌ غَرِيبُ
رَحْبٌ الكَوْنُ وَلَكِنْ لَمْ يَسَعْ بَعْضَ مَا فِي صَدْرِهِ الكَوْنُ الرَّحِيبُ
يَتَحَدَّاهُ غُرَابٌ نَاعِبٌ وَيُجَافِيهِ بَعِيدٌ وَقَرِيبُ
ذَهَبُ الأَرْضِ تُرَابٌ عِنْدَهُ كَيْفَ يُغْرَى بِالتُّرَابِ العَنْدَلِيبُ
خَلُصَتْ مِنْ حَسَدٍ نَظْرَتُهُ وَتَعَالَتْ يَدُهُ عَمَّا يَرِيبُ
طَابَ نَفْسًا وَلِسَانًا فَإِذَا سَأَلُوا عَنْهُ فَقُلْ هَذَا الأَدِيبُ
والداعي كذلك

هل تعرف مَن هم أولو العزْم من الرسل؟ إنَّهم على أصحّ الأقوال: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - عليْهِم أفضل الصَّلاة وأتمّ التسليم.
وهل تعرِف سبب تسْمِيتهم بذلك؟ لشدَّة صبرهم على الأذى، والقُرآن الكريم يفسِّر بعضُه بعضا؛ قال تعالى: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى: 43]، وقوله: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: 17]، فتأمَّل معي موقف أقوام أولي العزم من أولي العزم:
أوَّلاً: نوح عليه السَّلام:
قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 59 - 61].
﴿ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴾ [هود: 38].
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ * قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ﴾ [المؤمنون: 23 - 26].
﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ﴾ [القمر: 9 - 10].
ثانيًا: إبراهيم عليه السلام:
قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾ [مريم: 41 - 47].
﴿ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ * أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ * وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاء وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [العنكبوت: 16 - 24].
ثالثًا: موسى عليه السلام:
قال تعالى: ﴿ وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ [الذاريات: 38 - 39].
﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ [الأعراف: 107 - 110].
﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [القصص: 38].
﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ* أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ﴾ [الزخرف: 51 - 52].
رابعًا: عيسى عليه السَّلام:
قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ [الصف: 6].
﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ ﴾ [آل عمران: 52]
﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ [النساء: 157].
﴿ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [التوبة: 30].
خامسًا: محمَّد - صلى الله عليه وسلم -:
قال تعالى: ﴿ وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴾ [ص: 4].
﴿ وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ [الحجر: 6].
﴿ بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ ﴾ [الأنبياء: 5].
﴿ فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ ﴾ [الطور: 39].
﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ [الفرقان: 5].
ولا يخفى عليكَ الاستِهْزاء والهجاء على شخْص الحبيب محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - حتَّى يومنا هذا، وعنهم وعن أمثالهم يُنافح حسَّان بن ثابت، فنافح عن حبيبِنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - بقوله:

هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وَأَجَبْتُ عَنْهُ *** وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ *** فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الفِدَاءُ
هَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرًّا حَنِيفًا *** أَمِينَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الوَفَاءُ
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ *** وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ؟
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضلِعِرْضِ *** مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
 


﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ﴾ [الأحقاف: 35].
هذه أولى نصائحي لكَ.

النَّصيحة الثَّانية: يقدِّمها الأديب الكبير/ مصطفى صادق الرافعي في كتابه "وحي القلم"، وهي أقرب لأن تكون سلوانًا منها إلى أن تكون نصحًا: "من آمن بالله فكأنَّما قال له: "امتحنّي!"، وكيف تراك إذا كنت بطلاً من الأبطال مع قائد الجيش، أما تفرض عليْك شجاعتُك أن تقول للقائد: "امتحني وارم بي حيث شئت"؟! وإذا رمى بكَ فرجعت مثخنًا بالجراح ونالك البتْر والتَّشويه، أتراها أوصافًا لمصائبك أم ثناء على شجاعتك؟!".

النصيحة الثالثة: يقدِّمها الإمام ابن الجوزي في كتابه القيم "صيد الخاطر" يقول فيه: "رأيت كلاب الصيد، إذا مرَّت بكلاب المحلَّة، نبحتها هذه، وبالغت، وأسرعت خلفها، وكأنَّها تراها مكرمة مجلَّلة، فتحسدها على ذلك! ورأيت كلاب الصَّيد حينئذ لا تلتفت إليْها، ولا تعيرها الطَّرف، ولا تعدّ نباحها شيئًا! فرأيتُ أنَّ كلاب الصيد كأنَّها ليست من جنس تلك الكلاب؛ لأنَّ تلك غليظة البدن، كثيفة الأعضاء، لا أمانة لها، وهذه لطيفة، دقيقة الخِلقة، ومعها آداب قد ناسبتْ خلقتها اللَّطيفة، وأنها تحبس الصيد على مالكها خوفًا من عقابه، أو مراعاة لشُكْر نعمته عليها، فرأيت أنَّ الأدب وحسن العشرة يتبع لطافة البدَن، وصفاء الروح، وهكذا المؤمن العاقل، لا يلتفت إلى حاسِدِه، ولا يعدّه شيئًا؛ إذ هو في وادٍ وذاك في واد، وذاك يحسده على الدنيا، وهذا همَّته الآخرة، فيا بعد ما بين الواديين!".

النصيحة الرابعة: يقدمها الأديب السعودي/ حمزة شحاتة في إحدى رسائله لابنته "شيرين"، يقول لها فيها: "ابنتي شيرين، من الخير أن تَدَعي للنَّاس الحكم على ما تنشرين، تقديرًا حسَنًا أو سيِّئًا، الَّذي لكِ أنتِ أن تشعُري دائمًا بأنَّ ما تؤدِّينه أقلّ ممَّا تريدين وما تطمحين إليه، هذه هي العصا الخفيَّة التي تسوق الفنَّان من وراء ظهره ليكونَ في وسعه أن يتقدَّم ويصعد دائمًا".

النصيحة الخامسة: يقدمها ديل كارنيجي مؤلِّف كتاب "دع القلق وابدأ الحياة"، حيث يضع قاعدتين في التعامُل مع النقْد:
القاعدة الأولى: "تذكَّر أنَّ النقد الظالم إنَّما هو اعتراف ضمني بقدرتِك، وأنَّه بقدْر أهميَّتك وقيمتك يكون النقد الموجَّه إليك".
القاعدة الثانية: "ركِّزْ جهودك في العمل الذي تشعُر من أعماقك أنَّه صواب، وصمَّ أذنيْك بعد ذلك عن كل ما يصيبك من لوم اللائمين".

النصيحة السادسة: أن تتذكَّر أخي الأديب أنَّ هذه سنَّة ماضية لا يُمكن بحال دفعها أو منْعها؛ ﴿ كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ [الذاريات: 52]، وكلُّنا نسير على نفس الطريق المؤذي، أذكُر أنَّ أحدَهم كتب لي تعقيبًا على مقال كتبتُه، نُشِر في موقع إسلامي معروف، قال فيه وقد رفع أكُفَّ الضَّراعة: "يا أولياء الشيطان، أسأل الله العظيم أن يذلَّكم في الدنيا، ويحشُرَكم مع إخوانكم الكفرة في الآخرة"!
وللتوّوصلني تعقيب آخر على مقالٍ آخَر يقول صاحبه: "كلام لا له أوَّل ولا آخر ولا معنى له، بالله عليكم هل هذا الذي كُتب علم؟!".
حقيقة أضحكني التعقيب الأخير! كان بودِّي أن أكتب له: "أضحك الله سنَّك"! لكنَّني قرَّرت منذ البداية ألا أردَّ على أي تعقيب مدحًا كان أم قدحًا.
النَّصيحة الأخيرة التي أقدِّمها لك: أن تكتب عبارةً أو آيةً أو حديثًا مؤثرًا يقوِّي قدرتك على التحمُّل والصبر، وضعه على صورة "Banner" في مدوَّنتك، ويمكنك كتابته أيضًا ولصْقه على مكتبك أو على سطْح المكتب في حاسوبِك، بحيث يذكِّرك دومًا بضبط النفس والحلم والصَّفح والصبر، وربَّما كان القول رادعًا لمن يريد أن يؤذِيَك فيخجل من نفسه.
كان بعض الصالحين في جيْبِه ورقة يفتحها كلَّ ساعة فينظر فيها، وفيها مكتوب: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ [الطور: 48].
بالنسبة لأسئلتكَ:
"أشعرُ بالإعجاب الشَّديد بأولئك الكتَّاب الذين تنهال عليْهِم مئات الشَّتائم يوميًّا ولا تهزُّ فيهم شعرة واحدة! ويكتبون بتواصُل مستمرّ، ولا يضيرُهم كلامُ النَّاس شيئًا، هل أستطيع أن أصل إلى مرحلتهم؟"
إن شاء الله، ونحن ننتظر أن تبشِّرَنا بذلك قريبًا.
"وما السَّبيل إلى قمع الحساسية المفرطة لديّ، وكبح جماح العاطفة التي تهيج عندما ترى تعليقًا يريدُ منه صاحبهُ أن ينالَ مني؟"
بكلِّ ما ذكرتُه لك آنفًا، محتسبًا الأجر عند الله - تعالى - فهذا من كظم الغيْظ الَّذي جاء في فضله عن النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن ينفذَه، دعاه اللَّه - عزَّ وجلَّ - على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يُخَيِّرَهُ [اللّه] من أيِّ الحور [العين] شاء))؛ رواه أبو داود والترمذي.
"وما الطريقة المثلى للرّدّ على من يريدُ كسركَ لا انتِقادك بصدق؟ هل هو الرد ببرود؟ أم تركهُ وهجرهُ حتَّى يملَّ ويكلّ؟"
أفضل طريقة للرَّدّ هي عدم الرد!
فقد قال أحد الحكماء: "إذا سكتَّ عن الجاهل، فقد أوسعتَه جوابًا، وأوجعته عقابا"، لكن لا تظنَّ أنَّ أمثال هؤلاء يكلّون أو ويملّون! لكن النَّتيجة التي ستحصدُها بصبرك خيرٌ لدينِك ودنياك، ومع مرور الزَّمن ونضْج العاطفة والفكر ستقرأُ كلَّ ما يقال ويؤذيك كما لو كان مجرَّد قصة عابرة أو عبارة ساذجة لا تُلْقي لها بالاً.
ختامًا:
قال الشَّيخ الأديب علي الطنطاوي - رحمه الله - في كتابِه "من حديث النفس":
"لقد قرأتُ في المدح لي ما رفعني إلى مرتبة الخالدين، ومن القدْح فيَّ ما هبط بي إلى دركة الشياطين، وكُرِّمتُ تكريمًا لا أستحقُّه، وأُهملت حتَّى لقد دُعي إلى المؤتمرات الأدبيَّة وإلى المجالس الأدبيَّة الرسميَّة المبتدئون وما دعيت منها إلى شيء! فألِفتُ الحالين، وتعودتُ الأمرين، وصرتُ لا يَزدهيني ثناءٌ ولا يهزّ السَّبّ شعرة واحدة في بدني، أسقطتُ المجد الأدبي من الحساب، لما رأيتُ أنَّه وهم وسراب!".
دمتَ بألف خير ولا تنسَنا من صالح دعائك.

منقول من أجلي وأجلك

نقله عضو منتدى الجولة المميز "الشفيق" جزاه الله خيرا

Tags:
المشاهدات: 1369

التعليقات (1)

RSS خاصية التعليقات
...
وإذا رمى بكَ فرجعت مثخنًا بالجراح ونالك البتْر والتَّشويه، أتراها أوصافًا لمصائبك أم ثناء على شجاعتك؟!
أحسنت وعافانا الله وإياك والجميع
الجولة1 , February 08, 2011

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy

Site Translation

إحصائيات


mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterالزوار لأول مرة اليوم531
mod_vvisit_counterأمس886
mod_vvisit_counterهذا الأسبوع5883
mod_vvisit_counterالأسبوع الماضي6552
mod_vvisit_counterهذا الشهر17408
mod_vvisit_counterالشهر الماضي33773
mod_vvisit_counterالجميع736041

متواجدون(20 دقيقة منذ): 41
رقمك 38.107.179.206

المتواجدون

يوجد 14 زائر حالياً
عدد مشاهدات المحتوى : 824300

..:::: الزوار من أنحاء العالم ::::..