الحمد لله المستحق لجميع المحامد والصلاة والسلام على إمام كل شاكر وحامد وعلى آله وصحبه وكل عابد وبعد:
ورد في المنتدى http://www.aljawlah.com/vb هذا الطلب: "نريد من الأحباب الكرام أن يناقشوا موضوع فقه الإنكار... لإن البعض يقذف الأحباب بعدم انكار المنكر." من اخي the_bedouin_guy.
فقلت: من قال هذا صدق في قوله أننا لا ننكر المنكر. لكننا بإذن الله نغيره. ولو أنصف لقال: "هم لاينكرون المنكر ونحن كذلك مثلهم، لكنهم يغيرون المنكرات وأهل المنكر ونحن عاجزون"
إنكار المنكر يكون بين أهل الإيمان القوي خاصة.
أي أن أسلوب تغيير المنكر وعدم إنكاره له يكون في حال تعامل الداعي مع أهل المنكر واختلاطه بهم بنية الدعوة والإصلاح. فالمطلوب منه هنا عدم الإنكار وعدم الوقوف كالمفتي فيجيبهم على أسئلتهم لأن الأسئلة في هذه الحالة ليست من أجل العمل بالفتوى بل تجرهم إلى الإستهزاء والسؤال لماذا وما الحكمة أو تجره إلى القول: لا أستطيع العمل بالدين.... إلخ. والداعي حكيم، فهنا عليه في حال اختلاطه بهم بالصبر والحديث حول الإيمانيات: عظمة الله ونعمه وقدرته وعما أعد لأحبابه، يأخذ بجانب الترغيب والتأليف والإكرام والصبر أما في الليل فعليه الدعاء والبكاء.
أما إسلوب إنكار المنكر فليس هذا الزمان وقت له فلا أحد يتحمل، والفتاوى مختلفة إلا إذا قلت ليست مختلفة متعصبا لمجموعة من المفتين فقد شققت العصا من حيث لاتدري.
قد يقوم بهذا الأسلوب (إنكار المنكر) المتحابون في الله مع طول الزمن وبالعموم وليس بالتخصيص (ما بال أقوام يقولون أو يفعلون كذا) وليس بكثرة بل بالندرة.
فقد كان حول الكعبة 360 صنما لم يكسر منها شيئا رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال تواجده بمكة (13 عاما) بل حتى السنة التاسعة أي بعد 22 عاما تم كسرها. رغم مايلي:
1- نزلت الآية (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) في مكة المكرمة ولم ينطق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عند كسره الأصنام في فتح مكة. وفهمنا أن تفسير الآية الصحيح "وقل جاء الحق في القلوب وزهق منها الباطل" ولم يحصل ذلك إلا في الفتح حيث الكل أسلموا فتم كسرها لأنها لاتصلح لمسلمين.
2- نزلت عدة آيات مكية في عدة سور حول قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حين كسر الأصنام التي يعبدها قومه فجعلها جذاذا... مع ثناء الله عز وجل لسيدنا إبراهيم عليه السلام وأنه كان أمة قانتا لله، وأضف أيضا أن الله عز وجل أمر سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملة إبراهيم حنيفا.
ألا يكفي هذا أن يبدأ في تكسير الأصنام لما كان في مكة وقد كان معه المؤمنون وهم في التحمل والطاعة وبذل الأرواح ما القاصي والداني به عليم، بل لقد قالوا له الأنصار الذين با يعوه في منى "ألا نميل علي أهل منى بسيوفنا"
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمِرَ بإتباع سيدنا إبراهيم لكن ليس على طريقة سيدنا إبراهيم ولا غيره، إن له طريقة وأسلوب خاص هو أسلوب خاتم المرسلين،
أنظر لنتيجة نفس الأمر عندهما:
طريقة سيدنا إبراهيم زادت الإيمان واليقين والهداية عنده هو فقط، كيف لا يزيد اليقين لرجل في النار يمشي ولا تؤذيه، ألا يزيد يقينه وإيمانه بسيده الذي يدعو الناس إليه؟؟؟؟، لكن قومه بقوا على ضلالهم ولم يؤمن سوى لوط عليه السلام.
طريقة سيدنا خاتم الأنبياء والمرسلين: نشرت الهداية في المدعوين حتى كسرت معبوداتهم لأن ليس لها عابد واحد.
أليس هذا أكبر منكر، فكيف عالجه بل غيَّره للأبد صلى الله عليه وسلم. فكذلك جميع المنكرات تزول ويتم تغييرها بهذا الأسلوب في بيئة الكفر أو بيئة الإرتداد أو بيئة ضعف الإيمان الشديد، فقط لنحذر من واحدة هي بيئة ضعف الإيمان الشديد مع وجود الفصاحة والبلاغة و"المنافق عليم اللسان" فقد يكون العلم موجودا مع المنافق وضعيف الإيمان فالعلم الظاهري لا يدل على قوة الإيمان. فالكل يعلم أن هناك في الغرب من يعطي شهادات عليا لبعض المسلمين في التوحيد أو الفقه أو التفسير والمعلمون يهود أو نصارى...
هذه طريقة رسول الله خاتم الأنبياء في معالجة المنكر في البيئة الرافضة لتحقيق الدين في حياتها أو لنقل البيئة الفاسدة.
هذا الكلام كله بالقصص القرآنية إستفدته من الشيخ العلامة سعيد أحمد خان رحمه الله تعالى في إحدى جلساته معنا، ومني فقط الألفاظ والجفاء إن وجدتموه.
أما من يتقولون علينا فهم أيضا لا ينكرون المنكر وإلا فليبدأوا محتسبين من الشوارع والأسواق حتى نراهم يفعلون ذلك ولو لمدة سنة بل شهر واحد فقط!!! إنه كلام فقط للجدال وإظهار ما يظنه نقص وعيب فينا ولو كان هذا العيب فيه لأن عينه متجهة لغيره، كما يقول البدو (البعير ما يشوف عوجت رقبته)، من لم يفهمها فليسأل بدويا من الجزيرة.
وزاد بعض الأحباب (أبي زرع) مايلي:
فقه الإنكار كما ذكرت أخي الكريم يعتمد على قدر الإيمان عند المستلقي وليس عند الذي ينهى عن المنكر
و من هدي النبي صلى الله عليه وسلم::
هناك من لديه إيمان قوي وعلم قوي مثل الصحابي الجليل كعب ابن مالك رضي الله عنه وما حدث معه وقصته المعروفة، فكيف كان إنكار النبي صلى الله عليه وسلم لِما فعله والحديث مشهور فلديه إيمان قوي وسمعنا قصه تحمله وأيضاً لديه علم قوي بوجوب الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم والصدق...... إلخ[/size]
وهناك من لديه إيمان ضعيف وعلم قوي مثل الصحابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليأذن له بالزنا فأقبل عليه الصحابة ليزجروه ولكن النبي قربه منه ودعا له بتطهير القلب فلم يلتفت بعد ذلك إلى شئ.
إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ائذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا : مه مه فقال : ادنه فدنا منه قريبا قال : فجلس قال : أتحبه لأمك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداءك قال : ولا الناس يحبونه لأمهاتهم قال : أفتحبه لابنتك قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك قال : ولا الناس يحبونه لبناتهم قال : أفتحبه لأختك قال : لا والله جعلني الله فداءك قال : ولا الناس يحبونه لأخواتهم قال : أفتحبه لعمتك قال : لا والله جعلني الله فداءك قال : ولا الناس يحبونه لعماتهم قال : أفتحبه لخالتك قال : لا والله جعلني الله فداءك قال : ولا الناس يحبونه لخالاتهم قال : فوضع يده عليه وقال : اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء
الراوي: أبو أمامة الباهلي المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: 1/712
خلاصة الدرجة: إسناده صحيح
وهناك قوي الإيمان ضعيف العلم كالصحابي الذي كان يلبس خاتم الذهب وعندما أنكر عليه ذلك النبي انتهى حتى انه لم يأخذ الخاتم ليبيعه.
والحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه وقال : أيعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده ، فقيل للرجل بعدما ذهب صلى الله عليه وسلم : خذ خاتمك فانتفع به ، قال : لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم
الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: ابن عبدالبر - المصدر: التمهيد - الصفحة أو الرقم: 24/337
خلاصة الدرجة: ثابت
وهنالك ضعيف الإيمان وضعيف العلم كالإعرابي الذي بال في المسجد كيف كان إنكار ذلك عليه،
والحديث أن أعرابيا بال في المسجد ، فثار إليه الناس ليقعوا به ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دعوه ، وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء ، أو سجلا من ماء ، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)
الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 6128
خلاصة الدرجة: [صحيح]
وسبحان الله العظيم اغلب هذه الأمور التي أنكرها الرسول على أصحابه لم يستفاد منها فقط في فقه الدعوة إلى الله وأسلوبها ولكن قد استفاد منها أيضا الأصوليون والأئمة الأربعة في بناء أبواب فقهية كاملة علي هذه الأحاديث مثل باب المياه والطهارة وحكم لبي واستعمال الذهب وغيرها، فوالله قد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة جزاه الله عنا خير ما جزا نبياً عن قومه
وأيضا قال الحبيب (أبي زرع):
اخي الكرم لا نرد ان نخرج عن الموضوع وندخل في امور اخرى اعتقد انه ما تفيد بس ذات الموضوع
الان أيهما اكبر البول في المسجد ام لبس الخاتم
الذي يلبس الخاتم ضر نفسه اما الذي بال في المسجد ضر الناس لكن هذا تعامل معه النبي صلى الله عليه وسلم بالرقة وهذا تعامل معه بالشده
وهذه هي حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله نحن الان نعتقد ان امه النبي صلى الله عليه وسلم ما ينبغي الان ان تعامل معاملة الرجل الذي في يده خاتم من ذهب وانما ينبغي ان تعامل معامله الاعرابي الذي بال في المسجد
وهذه حكمة الدعوة إلى الله كأن ترى رجل يشرب بشماله فتقول له يا هذا اشرب بيمينك فينظر اليك فتقول له الشيطان يشرب بشماله بماذا شبهته ؟؟
فيقول لك انا شيطان انت مالك انت تعبان ليه
ولكن في نفس الوقت رجل اخر قام وقال له يا هذا اشرب بيمينك، فنظر اليه فقال له النبي يشرب صلى الله عليه وسلم يشرب بيمينه فبماذا شبهته ؟؟؟؟
هذه دعوة وهذه دعوة
لكن الدعوة الاولى دعوة تنفير شبهته بالشيطان ولكن الدعوة الثانية دعوة تحبيب
قالوا الحكمة هى ان تضع الامور في نصابها في مكانها في زمانها في وقتها المناسب
الحكمة ضاله المؤمن
شيخ الإسلام ا بن تيمية يقول ليس كل ما يعرف يقال وليس كل ما يقال حضر اهله وليس كل ما حضر اهله حضر وقته
وهناك موقف للشيخ محمد إلياس رحمه الله انه كان بجانبه أحد الاماكن بها قبور وهناك اناس ياتون لهذه القبور يسالون حاجتهم - نعوذ بالله من ذلك ونسال الله العافية - فجاء رجل يعرف الشيخ فساله لما لا تنكر عليهم ذلك؟؟؟؟
قال له هل انكرت انت عليهم؟؟ قال نعم.... قال كيف؟؟؟
قال انكرت عليهم وقلت لهم انه هذا شرك واتقوا الله وكذ وكذا - وهذا بلاشك طيب - فقال له الشيخ وماذا فعلوا بك؟ قال اهانوني وضربوني وسبوني قال له الشيخ هل انتهوا عن ما يفعلون؟؟؟؟ قال لا كأن شئ لم يكن
وكان الشيخ رحمه الله يقف بالطريق المؤدي إلى ذلك المكان ويطلب من الذاهبين او الراجعين ان يذهبوا لمنزل الشيخ ليشربوا معه الشاي - إكرام - وكانوا يفرحوا بذلك الإكرام البسيط واثناء التحدث يبدا الشيخ بالدعوة يقول لهم لماذا تاتون الى صاحب هذا القبر انا اري اناس كثيرون ياتون الى هنا يطلبون حاجتهم.... فيقولو نعم عندنا حاجه كذا وكذا فيقول لهم الشيخ رحمه الله هل تعرف ماذا كان يقول صاحب هذا القبر انه كان يقول كذا وكذا ويبدأ في تعلميهم الاذكار والادعية المأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم - فلا يعودون مرة أخرى إلى ذلك المكان أبداً.....
فكيف ايها الكرام تكون عندنا هذه الحكمة ؟؟؟؟
ثم كان توضيح أن الشريعة الكاملة جاءت باللين في محله، والشدة في محلها ، من العضو الفاضل the_bedouin_guy ومستشهدا بكلام قيم لشيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى كما يلي:
"والخلاصة: أن الشريعة الكاملة جاءت باللين في محله، والشدة في محلها ، فلا يجوز للمسلم أن يتجاهل ذلك، ولا يجوز أيضا أن يوضع اللين في محل الشدة، ولا الشدة في محل اللين، ولا ينبغي أيضا أن ينسب إلى الشريعة أنها جاءت باللين فقط، ولا أنها جاءت بالشدة فقط، بل هي شريعة حكيمة كاملة صالحة لكل زمان ومكان ولإصلاح جميع الأمة.
ولذلك جاءت بالأمرين معا، واتسمت بالعدل والحكمة والسماحة فهي شريعة سمحة في أحكامها وعدم تكليفها ما لا يطاق، ولأنها تبدأ في دعوتها باللين والحكمة والرفق، فإذا لم يؤثر ذلك وتجاوز الإنسان حده وطغى وبغى أخذته بالقوة والشدة وعاملته بما يردعه ويعرفه سوء عمله.
ومن تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة خلفائه الراشدين وصحابته المرضيين وأئمة الهدى بعدهم عرف صحة ما ذكرناه .
النصوص الآمرة باللين في مجاله
ومما ورد في اللين قوله تعالى : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِالآية.
وقوله تعالى في قصة موسى وهارون لما بعثهما إلى فرعون : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى
وقوله تعالى : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الآية .
النصوص الدالة على الشدة في مجالها
ومما ورد في الشدة الآيات المتقدم ذكرها.
ومن الأحاديث ما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تلا قوله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
قال: والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه وفي لفظ آخر : على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو لتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من الحطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقتها عليهم. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بعث الله من نبي في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويهتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل
وقصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر معلومة لدى أهل العلم ، وقد هجرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم خمسين ليلة حتى تابوا فتاب الله عليهم وأنزل في ذلك قوله تعالى : لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إلى قوله : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا الآية .
فمما تقدم من الآيات والأحاديث يعلم الكاتب وغيره من القراء أن الشريعة الإسلامية الكاملة جاءت باللين في محله والغلظة والشدة في محالهما، وأن المشروع للداعية إلى الله أن يتصف باللين والرفق والحلم والصبر؛ لأن ذلك أكمل في نفع دعوته والتأثر بها كما أمره الله بذلك وأرشد إليه رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون على علم وبصيرة فيما يدعو إليه وفيما ينهى عنه؛ لقول الله سبحانه : قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
ولا ينبغي للداعية أن يلجأ إلى الشدة والغلظة إلا عند الحاجة والضرورة وعدم حصول المقصود بالطريقة الأولى، وبذلك يكون الداعي إلى الله سبحانه قد أعطى المقامين حقهما وترسم هدي الشريعة في الجانبين، والله الموفق.
[سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله]
وكان التوضيح التالي منا
أخي:
ألا ترى فيما نقل أعلاه كيف الأمر باللين مع فرعون والشدة مع بعض المتهاونين في الصلاة. أليس هناك أمر خفي بين السطور.
وهناك بيان صفة اللين عند رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ولولاها لانفض الناس من حوله.
للتوضيح نقول: صفة اللين والرحمة تجمع الناس وصفة الفضاضة والغلظة تفرقهم، كما في الآية (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)
يوجد في حياة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم اللين والرفق فقط (نقصد هنا الجانب العملي الفعلي) لذا وصف الله نبيه بأنه رحمة للعالمين. أما الشدة أحيانا فلفظية تأخذ معنى الترهيب. لكن ليست موجودة في حياته صلى الله عليه وآله وسلم العملية، ألا تذكر قصة الأعرابي الذي بال في المسجد. وإذا كان هناك مانراه من شدة عمليا فقليل وموجه لأصحابه من أهل كمال الإيمان كما في قصة الخاتم كما أشار أخونا (أبي زرع)
والعلماء العاملين الأتقياء الدعاة إلى الله بأموالهم وأنفسهم فقد فهموا ونشروا هذا الفكر الصحيح المستخلص من حياة النبي وصحبه وهو أن بحسب البيئة يتصرف الداعي التصرف الذي يتغير به الناس إلى الأفضل بدون أن تأتي النفرة من الدين وأهله.
ولا نكررما أوردناه في حديثنا هنا أعلاه.... فليراجع
| < السابق | التالي > |
|---|













