
في ظل أجواء تحمل طابع خصوصية الواقع الذي يحياه المسلمون في الهند، بدأت إرهاصات منهج جماعة التبليغ والدعوة التي تشكلت معالم فكرتها على يد الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي الذي خط منهجا في العمل الإسلامي والدعوة لجماعته يحمل قدرا كبيرا من الخصوصية والتميز، وفيه من الجديد في الوسائل والآليات ما يجعله يفترق كثيرا عن مناهج الجماعات والحركات الإسلامية التي نشأت داخل ربوع الهند وخارجها.
ولد الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي سنة 1303هـ، من أسرة متدينة عريقة الارتباط بالدين وعلومه، كما عرف عنها نزعة التصوف والزهد في الدنيا وملذاتها، وينتمي نسبها إلى الصحابي الجليل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، استمد من أبيه الشيخ محمد إسماعيل أسلوبه الديني، ومنهجه في الاستقطاب، والتوفيق بين طبقات من المسلمين متباينة المشارب والثقافة، كما يرجع الفضل لأبيه في تأسيس القاعدة الأولى لمنهج الدعوة والتبليغ؛ حيث أسس الشيخ إسماعيل "مدرسة الكوخ" التي ذاع صيتها فيما بعد.
وفي مسقط رأسه بقرية كاندهلة بمحافظة سهارنفور تلقى محمد إلياس تعليمه الأولي قبل أن ينتقل إلى أكبر مدرسة تتبع المذهب الحنفي تسمى مدرسة ديويند، وهي أكبر مدرسة في حينها لهذا المذهب في شبه القارة الهندية.
لم يقتصر الأمر على الأب والأم في صياغة شخصية زعيم جماعة الدعوة والتبليغ، بل تدخلت بصمات أخيه الشقيق محمد يحيى لبناء عقلية الطفل محمد إلياس الروحية والعلمية؛ ففي مدرسة مظاهر العلوم بسهارنفور ربطه شقيقه بالقرآن وعلوم اللغة التي يتقنها، كما غرس فيه حب العلم، وعشق الكتب التي كانت لمحمد يحيى مصدرا للرزق والعلم.
انتقل محمد إلياس إلى كنكوه، وهي قرية بمديرية سهارنفور، بأترابراديش بالهند، ولم يكن الأمر في الحقيقة مجرد تغيير مكاني، أو دخول في مسار علمي جديد، بل كان الأمر نقلة نوعية على مستويات ثلاثة: الأول يخص التزكية والتربية الروحية، والثاني، يتعلق بالمسار العلمي، أما الثالث فهو اكتساب عطف وقبول كبار العلماء.
الكاندهلوي والبيعة
قدم محمد إلياس "كنكوه" ولما يتجاوز بعد 10 أو 11 سنة، وعاش في هذه القرية زحمة النشاط الديني، والشعور بالانتماء العقدي والحضاري للإسلام، كما عايش فيها الرموز الدينية، وتربى على يد كبار المشايخ، خاصة الشيخ أحمد الكنكوهي (1829-1905م)، ورغم أن هذا الأخير لا يقبل بيعة طلبة العلم، إلا أنه أخذها من محمد إلياس؛ لما كان يلمسه من كفاءاته في التحصيل العلمي، ومن وشائج الارتباط الروحي بينهما، واستمرت هذه العلاقة إلى حين وفاة الكنكوهي سنة 1323هـ.
وبعد صراع مرير مع المرض الذي أقعده عن العلم والدعوة، عاد محمد إلياس، الحافظ للقرآن الكريم، ليتم مسيرته العلمية في دراسة الحديث وعلومه، فانتقل سنة 1326هـ إلى حضن شيخ الهند العلامة محمود حسن، الذي كان يرأس حينئذ هيئة تدريس الحديث بدار العلوم بديويند، فأخذ عنه جامع الترمذي وصحيح البخاري، بينما أخذ عن أخيه محمد يحيى بقية الكتب الستة.
وفي صورة معبرة عن التدين الهندي، والالتزام بالإسلام، بايع محمد إلياس شيخه الجديد أحمد السهارنفوري بيعة يقصد منها اتباع السنة والفرائض الدينية والأذكار المأثورة، كما أنها طريقة عرفية هندية يتم فيها التعبير عن تجديد الإيمان والارتباط الوثيق بالدين.
وبعد أن أخذ المريد محمد إلياس الإذن من شيخه السهارنفوري، انتقل سنة 1336هـ إلى منطقة "كاندهلة"، وبها مرض مرضا شديدا، ولما تعافى مما ألم به رحل إلى نظام الدين، ليدخل مؤسس جماعة التبليغ في مرحلة جديدة اختلط فيها العلم وتلقينه بالتصوف والتربية عليه.
ميلاد جماعة الدعوة
انتقل الشيخ محمد إلياس إلى منطقة "ميوات"، التي تضاربت الكتابات والروايات التاريخية حول طريقة إسلامها وتشبثها بالدين، إلا أنها تتفق على بدائية أهل منطقتها، وغرقهم في التخلف، وانتشار العنف فيما بينهم، كما تتميز هذه المنطقة ثقافيا بالمزج بين التقاليد الإسلامية وتقاليد الهنادك، غير أن هذه الأخيرة تغلبت على الأولى حتى كادت تمحوها بالكامل.
لم يكن محمد إلياس أول من تنبه إلى التراجع المستمر للإسلام بميوات، بل كان والده الشيخ إسماعيل حريصا على استقدام الميواتيين إلى مدرسته البدائية؛ حفاظا على ما تبقى من الإسلام هناك، كما حث بعض المتعلمين على زيارة هذه المنطقة، ونشر الدعوة والعلم فيها، مع العمل على استقدام أكبر قدر ممكن من الميواتيين إلى "نظام الدين"، حتى يتعلموا ويعلموا أهلهم الدين.
وتتميما لما بدأه الوالد، قام زعيم الدعوة والتبليغ بعملية أشمل، بدأها بإنشاء كتاتيب ومدارس متعددة بالمنطقة، شكلت الأسس الأولى لبناء شبكة المعرفة والتربية الروحية الخاصة بالشيخ، وقد بنى هذا العمل بحرية تامة، واشترط على أهل ميوات إقامة هذه المدارس مقابل زيارته لهم.
*عدد من اعضاء التبليغ والدعوة اثناء تأدية صلاة جماعية
وتأكيدا لمبدأ الاستقلالية، كان الشيخ يمول الكتاتيب من ماله الخاص، وبدأ العمل بتأسيس عشرة منها بمجهوده الشخصي، ثم وصلت المئات بعد سنوات، ولم يكن محمد إلياس يطلب من الأهالي إلا ترك الأطفال يذهبون إلى الكتاتيب وعدم تشغيلهم في الحقول والرعي.
الحج والدعوة
لكن الشيخ إلياس سرعان ما اكتشف أنه يجهد نفسه في عمل جزئي لا يؤدي إلى علاج المرض المستمسك بالمسلمين، وفي هذا الوقت قرر شيخه خليل أحمد السهارنفوري الذهاب إلى الحج سنة 1344هـ، فقرر محمد إلياس مصاحبته، وبعدما أدى مناسك الحج مكث بالمدينة المنورة خمسة أشهر، وقد شهدت فترة الحج حدثين تاريخيين:
*الأول: تمثل في انطلاق الشرارة الأولى للعمل الدعوي، والخروج في سبيل الله في عدة مناطق بالسعودية.
والثاني: تمثل في استقبال الملك عبد العزيز آل سعود للشيخ محمد إلياس، وعدم اعتراض الملك على منهج وعمل الشيخ.
كما تمكن الشيخ وهو بالسعودية من الالتقاء ببعض العلماء ورجال السلطة المشهود لهم بالعلم واتباع السنة، ولم يكن يلمس منهم اعتراضا واضحا على دعوته، وربما كان هذا ما يفسر تغير أسلوبه الدعوي مباشرة بعد رجوعه من الحج؛ فبعد عودته من الحج بدأ يقوم بجولات دعوية، ودعا الآخرين أيضا إلى القيام بتلك الجولات ودعوة الجماهير إلى تعليمات الإسلام الأولية وفرائضه كالتوحيد والصلاة، وكانت مثل هذه الدعوة غير معهودة لدى الناس، وكان لهج العامة بدعوة الدين مما يستغرب، ولكن بعض الناس قاموا بهذا العمل على خجل وحياء.
وهكذا سار الشيخ وجماعة من أنصاره بميوات، يخرجون إلى المدن المجاورة، ويضعون برنامجا أسبوعيا يلتزمون به في دعوتهم إلى الله تعالى، كما صاحب ذلك القيام بحفلات عامة.
في عام 1351هـ اتبع محمد إلياس أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم في عرض دعوته، وهكذا حج للمرة الثالثة مستغلا توافد المسلمين من كل أصقاع العالم لينشر رسالته الداعية إلى تبليغ الدعوة والخروج في سبيل الله تعالى.
الرحلات الدعوية
*بعد عودته من الحج سنة 1352هـ ذهب في أول خروج كبير في سبيل الله، وفي رحلتين ضمتا مائة شخص على الأقل، فبدأت النتائج الإيجابية تظهر في ميوات، وأخذت أفئدة الناس ترتبط بالشيخ وأنصاره من جماعة التبليغ، وأخذت مظاهر التدين تنتشر، وتبعث من جديد، وكثر بناء المساجد والكتاتيب القرآنية، وانتشر العلم الديني، وقد وصف محمد إلياس هذا المشهد بالقول: "لقد كان لرحلات الجماعة الدعوية إلى مناطق الولاية الشمالية تأثير أي تأثير؛ فإنه على قلة الأفراد الذين قاموا برحلات تبليغية، وعلى قلة الوقت الذي ليس بشيء مقابل الوقت الذي يصرفه الناس في بيوتهم وأوطانهم، كان له من التأثير ما جعل الناس تدور على ألسنتهم كلمة "الانقلاب العظيم"، وبدأت مشاعر الناس في منطقتكم من أولي الجهالة العمياء الصماء البكماء الخبيثة تتحول إلى مشاعر طيبة دفعتهم إلى نشر الدين".
بعد إعداد العدة البشرية التبليغية من الميواتيين ضاعف الشيخ إلياس الجهود الدعوية والتعليمية، معتمدا في ذلك على الحفلات والرحلات وعقد الندوات، ورغم أن مجهوداته لقيت إقبالا واسعا، فإن اعتماده على الميواتيين تعرض للنقد؛ لقلة علمهم، وهو ما اعترف به الشيخ نفسه، إلا أنه اعتبرهم قدوة للمسلمين من حيث بذل الجهد والوقت والمال في سبيل نصرة الدين، ونهج أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة، فالتبليغ كما يرى الشيخ لا يقوم بالخطب والمواعظ، بل بالعمل الميداني اليومي، وإذا كان هذا العمل يبدو غريبا فإن إحياء الشعور الديني والوعي الإسلامي يحتاج إلى نماذج عملية تتحرك أمام الناس، وتتجاوز الصعاب المعرقلة لهذا الجهاد الجديد.
إرهاصات التنظيم
ونظرا لديناميكية الرجل وأتباعه استطاع في وقت وجيز تنظيم جولات تبليغية إلى مناطق متعددة من الهند منها: سهارنوفر- مظفرنكر- دهلي.. وهذه المدينة الأخيرة ستشهد حدثا تاريخيا بارزا في الحياة التنظيمية لجماعة التبليغ؛ فقد عين الشيخ محمد إلياس الشيخ الحافظ مقبول حسن كأول أمير على جميع الجماعات التبليغية بمدينة دلهي؛ وفي مسعاه التنظيمي قرر الشيخ حسن بدوره، أن تجتمع الجماعات في المقر الدعوي ليلة الجمعة، وتجتمع يوم الأربعاء الأخير من كل شهر في المسجد الجامع الكبير؛ للتشاور وإعداد البرنامج الدعوي الشهري.
ولا يخفى على الباحث في تاريخ الجماعة مدى أهمية هذا الأسلوب التنظيمي؛ حيث يعتبر مؤشرا حاسما على كون جماعة التبليغ والدعوة تنظيما دينيا ينبني في أسسه الهيكلية على التنظيم العصري الحديث.
وفي نفس السياق كان للرحلة الدعوية التي ترأسها محمد إلياس إلى مدينة لكنئو كبير الأثر في رسم البرنامج اليومي لجماعة الدعوة والتبليغ إلى يومنا هذا؛ فقد قرر زعيم التنظيم ومن معه، وهم بهذه المدينة، أن يخرجوا كل يوم بعد صلاة العصر، وأن يقوم أفراد الجماعة بالجولة بعد صلاة المغرب إلى شوارع المدينة وحوانيتها.. وبعد صلاة العشاء يجتمع الجمع بالمسجد للحديث عن مبادئ الجماعة وأهدافها في "خطبة أو خطبتين"، أما بعد صلاة الفجر فيخصص للتعليم، وتجويد القرآن الكريم، ومعرفة أحوال الصحابة، وعرض أصول التبليغ وطريقة ممارستها.
وبقيت الجماعة على هذا المنهج بعد وفاة مؤسسها، الذي خلفه ابنه محمد يوسف، وفي عهد مرشدهم الحالي إنعام الحسن.
نقله لنا العضو ريحان في منتدى الجولة: http://www.aljawlah.com/vb/showthread.php?t=958
التعليقات (3)
RSS خاصية التعليقاتالسلام. اني وجدت في هده الجماعة كل ما يدكرني بحياة اجدادي وابائي الصحابة الكرام وقدوتي وقدوتهم النبي صلي الله عليه وسلم وادعوا الله تعالي ان يبارك في هده الجماعة المباركة انه سميع بصير

أضف تعليق
| < السابق | التالي > |
|---|












