المربي قبل المنهج:
طريق التربية طريق شاق وطويل لأنه طريق تضحية وعقبات.. والاستمرار فيه يحتاج إلى زاد روحي كبير.. ومن ذا الذي يقوى على التضحية بشكل دائم إن لم يتصل بمصدر للطاقة الروحية لا ينضب أبد.. وفي غمرة العمل التربوي قد تغلب على المربي الحركة وحب الاتصال بالناس، بل قد يغرق في متابعتهم وحل مشكلاتهم وإذا ماء الربانية لديه ينضب أو يتعكر دون أن يدري.. وحين يحدث ذلك فإن عاقبته ستكون فتورا في العمل والعطاء والتأثير.. وبهوتا لجاذبيته ولمعانه في عيون مدعويه.. ؟!
لقد تحولت جلسة الأسرة إلى لقاء روتيني رتيب، غابت فيه المشوقات الروحية، وضعفت فيه قوة الصلاح الحاسمة، وخمدت حركة أصداء الورع، وخفتت أنوار الإخلاص، وبردت اللوعة وانطفأت الحرقة، ولم نعد نشم رائحة الكبد المشوي والقلب المحترق بهم الدعوة.. نستثني المحاضن التربوية الأنموذجية التي ينفخ فيها المربي من روحه وتقتات من قلبه و التي شعارها: انظرونا نقتبس من نوركم.. فيمتص الحال من الحال.. وتدمع العين، ويرق القلب، وتنتعش الروح.. !
قلتم أنى هذ.. قل هو من عند أنفسكم؟!:
أجرى أحد الدعاة لأحدى الجماعات استبيانا هذا نصه:
في اعتقادك: السبب الرئيسي في تدني وضعف المستوى التربوي هو:
المربي-المتربي-المنهج-البيئة.. .وكانت النتائج كالآتي:
المربي:64.25
المتربي:10
المنهج:4.25
البيئة:21.50
من هنا نعلم الدور الكبير والأساسي للمربي.. فهو جوهر العملية التربوية وأس الأساس والركن الركين..
المربون: يحولون النصوص إلى واقع عملي حي شاخص متحرك.. ويصوغون من المصحف إنسانا نموذجيا يدب على الأرض.. ويجسدون كلمات رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم التي كتبها في أصحابه رضي الله عنهم، إن النصوص وحدها لا تصنع شيئ، وإن المصحف وحده لا يعمل حتى يكون رجل، وإن المبادئ وحدها لا تعيش إلا أن تكون سلوكا
لقد كان هدفه-صلى الله عليه وسلم:
أن يصنع رجال، لا أن يلقي مواعظ..
وأن يصوغ ضمائر لا أن يدبج خطبا
وأن يبني أمة لا أن يقيم فلسفة
لقد انتصر يوم صاغ من الإسلام شخوص، وحول إيمانهم بالإسلام عمل، وطبع من المصحف عشرات من النسخ ثم مئات وألوف، ولكنه لم يطبعها بالمداد على صحائف الورق، إنما طبعها بالنور على صحائف القلوب، و صنع منهم قرآنا حيا يدب على الأرض.. !!
المجتمعات المعاصرة ابتعدت عن معاني الإيمان كثير، المدنية الحديثة أضعفت الالتزام، فأيما تساهل نبديه سيفتح باب الضعف التدريجي والتخليط والذوبان في التيار الاجتماعي المليء بالسلبيات، بينما سمو المقاصد العالية للدعوة، ونقاء الوسيلة يستدعيان دعاة أطهارا يتعاملون التعامل الراقي المترفع عن تدليسات العامة، وعن الطمع الدنيوي والبطر.. !
العدة الربانية للمربي:
أولا:معرفة الله عز وجل واليقين به هي الأساس الذي إذا أحسن ترسيخه صار بناء المربي قوياً متيناً .. فاليقين بالله عز وجل كفيلة بتوليد مشاعر الحب والخوف والرجاء الدافعة للوصول للمقامات العالية في التعامل مع الخالق سبحانه .. وهي كفيلة للوصول إلى قلوب الخلق..
ومن وسائل معرفة الله عز وجل وزيادة اليقين والصفات:
أولا: الإكثار من تعظيم الله وتكبير الله أمام من يعظمون غير الله كما في بيئة الداعي ومن حوله: البيت والأقارب والعمل ومن يمكن إختلاطه بهم لحاجاته مثل البقالات والصيدليات واصلاح السيارات.... وفي السقر والحضر
ثانيا: مصاحبة الصالحين الأتقياء.. فالتربية بالموقف عميقة الأثر مضمونة الثمرة .. مع الإكثار من القراءة في أحوال الصحابة والسلف والصالحين في كل زمان ولا نهجر مثل كتاب حياة الصحابة والسير النبوية.
ثالثا: كثرة حضور مجالس التزكية والرقائق والسماع ممن يعظمون الله ويصغرون كل ما عداه.. فهى كفيلة ببقاء القلب في بيئة الطاعة والقرب.
رابعا: الخلوة المنتظمة مع النفس المحددة الأهداف والغايات .. فجلسة للمحاسبة والتقويم وتصحيح المسار وجلسة لتعهد القلب وإزالة ما علق به من كدر .. وجلسة لتذكر الذنوب والاستغفار والتوبة .. وجلسة لشكر النعم وهكذا..
خامسا: المداومة على الأعمال الصالحة من صلاة و وصيام ودعاء وذكر واستغفار وإحسان وصدقة .. ويكون العناية في كل هذا بجوهر الطاعة وروحها لا بظاهرها .. فالطاعة الميتة لا ثمرة لها على القلب بخلاف الطاعة الحية.
سادسا: القرآن روح .. وصفه الله عز وجل بذلك حين قال: وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا.. إذاً القرآن روح يحيي به الله الأرواح والقلوب ويملأها بالقوة والنور والمحبة والخشية والإخلاص .. ولن يتأتى لنا قطف هذه الثمرات إلا إذا أحسنا الاتصال بآيات الله عن طريق جلسات يومية ثابتة في جو هادئ ساكن نتلو فيها القرآن ونتدبره ونعيش مع معانيه ونستخرج منه الدروس والعبر التي بها نصلح أنفسنا والكون من حولنا ولا يكون همنا إنهاء الحزب المقرر علينا فقط..
سابعا: مربي الداعي المربي: النقاط السابقة يحتاج المربي المتابعة فيها من شيخ وأستاذ تقي داعي صاحب صفات وخلق حتى تستقر هذه المعاني في القلب .. فكل مربي هو في الأصل متربي .. فلا غنى للمربي عن وجود الشيخ الذي يعرض عليه قلبه وعمله فيوجهه ويقومه.. !
نقلته ممن يبحث عن أهل الصفات لأني مثله أبحث عنهم وقد ذكرني بحديث في موقع الجولة بعنوان: غربة التبليغ بين أهله
قال في ذلك الرابط:
أخرج في سبيل الله وأدع في الخروج بإلحاح أن يقبلك في هذا الجهد المبارك وتكون ممن أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ أو معهم ممن أطاع الله ورسوله ولا تكن معهم ممن يبغضهم الله ورسوله وهم المنافقون (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)) فالذين معهم قسمان: مطيع ومنافق، وانظر ماذا وصفهم الله (تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ) وأبضا (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ)... إلخ يالبيب. وليس كل من يقول أو جسمه يعجبنا كذلك لكن الله يوجهنا هنا للبحث عن غير الشكل والكلام.. فرب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.
فإن ذقت ماذاقوا فأنت منهم وإلا فأنت معهم ولست منهم. أليس من يهاجر بماله ونفسه ويتغرب عن أحبابه وأهله ويتعرض لأمور كثيرة أقلها تعب وإرهاق السفر! ألم يذق شيئا؟ الذي يخرج ويرجع قبل الكمال أيضا لم يذق ولم يفهم! والذي عنده الوقت الكافي الكثير ولم يبذله لله (خاصة من تقاعدوا وقد كانوا يشكلون الناس) أيضا لم يذق ولم يكن إلا مسكينا معهم.
المعذرة فالكلام للقدماء، لذلك فالشطة (الفلفل الحار) فقط لهم..
التعليقات (3)
RSS خاصية التعليقات...
الذى يورث كلامنا لهيبا مثل النار
ولكنها نار تشتعل فى القلوب
على تقصيرنا فى حق دين ربنا علام الغيوب ...
أضف تعليق
| < السابق | التالي > |
|---|











