Get Adobe Flash player
Facebook Twitter Google Bookmarks RSS Feed 

إن فلاح وفوز ونجاح جميع الإنس والجن هو فقط في إمتثال أوامر الله عز وجل، على طريقة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

ونؤكد لأنفسنا وللجميع أن النت أو القراءة هي حوافز وتعليم ولا تغني عن تحريك الأقدام ومفارقة الأهل والأوطان لإعلاء كلمة الله فينا وفي العالم

فهكذا يتم تحصيل ونشر الدين

 

ولكن الدعوة بأي طريقة كانت لا تكون سبباً للفوز والفلاح، بل إن الدعوة التي تكون على طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي التي تكون سبباً لحصول معية الله عز وجل وعندما تكون المعية الإلهية موجودة فيكون الفلاح والفوز والعزة!

من يرى الدين الذي قام عليه الرسول ليس الدعوة، واستمر على القيام بباقي أعمال الدين فهو ساقط من عين الله حتى إن دعاؤه لا يستجاب

أول عمل انتقل إلى الأمة المسلمة من رسولها الكريم صلوات الله عليه علماً وعملاً هو الجهد للدين

وكان هذا العمل سعادة عظمى لهذه الأمة حيث أن الله جل جلاله ختم سلسلة النبوة ونقل جوهر الدعوة إلى هذه الأمة فالصحابة الكرام رضوان الله عليهم وهم من السابقين الأولين لهذه لأمة لم يكن لهم مثيل في أداء وتقديم التضحيات للمحافظة على الدعوة لهذه الأمة لم يكن لهم مثيل في أداء وتقديم التضحيات للمحافظة على الدعوة إلى الله حتى تحصلوا معية الله ونصرته وسخر لهم النظام السماوي والأرضي من جهد وأخرجوا الناس من ظلمات الجور والظلم إلى نور الإسلام .

كل فرد من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين وبلا استثناء كان يقوم بالدعوة والتبليغ ويؤدي هذه الفريضة بالفكر

بدون تقديم التضحيات والجهد فإن باب الفتوحات والبركات لا يفتح

كانت هذه عناوين البيان والآن نتابع من البداية بدون أن نغادر إلا بنية أخذ هذا الجهد المبارك بحقه.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وبعد:
كان أوائل هذه الأمة معروفين بالجهد، للدين حتى تخلل هذا الجهد في شرايينهم ودمائهم، حتى أصبحت التضحية بالمال والنفس والوظيفة والأهل والمنصب شيئاً محبوباً لديهم وسهلاً عليهم، وأصبح انقطاعهم عن الجهد لإقامة الدين ولو للحظة بسيطة، شيئاً لا يمكن تحمله، ولم تكن دعوتهم فقط بالكتابة والخطابة، ولكن بالتضحيات المتواصلة ترعرعت ونشأت هذه الدعوة من جهدها.
والتضحية هي طريق إبراهيم عليه السلام لحصول معية الخالق لأداء الدعوة المحمدية للإسلام إلى المخلوق بجهد متواصل، وبهذا الجهد خضع نظام الكائنات تحت أقدامهم، وكان خالق الكائنات ينصرهم ويؤيدهم، فالدعوة إلى الله عز وجل هي جوهر امتيازي لهذه الأمة يضمن لها عزها ورفعتها، شريطة أن لا تكون بالطرق الموجودة المخالفة بل على منهاج النبوة وأسوة الصحابة الكرام رضي الله عنهم، يعني أن تكون الدعوة بدون مقابل، وعلى صورة النفر الجماعي كما قام بها أصحاب الدعوة في القرن الأول الهجري.

إلى أصحاب الفكر
ثبت في التاريخ أنّ أول عمل انتقل إلى الأمة المسلمة من رسولها الكريم صلوات الله عليه علماً وعملاً هو الجهد للدين، والذي هو بالقياس إلى باقي الأعمال يعتبر الأساس فإذا قام المسلمون في أي زمان ومكان على أعمال الدين بكل فروعه ولكن مع الغفلة منهم عن منهاج وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام لذلك يكونوا ضالين، لأن من يرى الدين الذي قام عليه الرسول ليس الدعوة، واستمر على القيام بباقي أعمال الدين فهو ساقط من عين الله حتى إن دعاؤه لا يستجاب لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم )) إن الله يقول لكم مروا بالمعروف وأنهو عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم وتسألوني فلا أعطيكم وتستنصروني فلا أنصركم.)) أو كما قال.
فالفريضة التي أعطيها النبي عليه الصلاة والسلام وحولها للأمة قبل فريضة الصلاة والصوم والحج والزكاة والتي بتركها لا يقبل دعاء المتقين والصلحاء كم تكون أهميتها؟ وحيث أن الصلاة التي على غير الطريق النبوي باطلة فكذلك إقامة الدين على غير طريق النبي، لذا ينبغي المحافظة على الطراز النبوي في إقامة الدين والدعوة إليه.
فالسعي لاقامة الدين والدعوة النبوي على المنهج الشائع في العالم كالذي يبني عمارة على أساس غير قوي، وهذه هي الخسارة الأساسية التي بسببها تفشل الحركات الدينية بسرعة وتنشأ فيها الخلافات وتكون بسببها محرومة من النصرة الآلهية.
كما يتضح من رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن القيام بالدعوة الاجتماعية هي سر قوة المسلمين )لا تغتروا بكثرة الفرس وسلاحهم ولا تخشوهم واستعينوا بالله وارجوه وأرسل ممن معك وفداً إلى الفرس من ذوي الرأي يدعوهم إلى الإسلام فإن قبل فاقبلوا واعرضوا عنه وإلا فاستعينوا بالله وقاتلوهم) . رواية سيف الدين بن عمر الطبري ج4 ص93.

سبب كتابة هذا الكتاب وتأليفه:
في سفر الجماعات للدعوة والتبليغ في العالم الإسلامي جاءت هناك ضرورة لعرض طريقة أعمال الدعوة من جولات وخروج، ودعوة عمومية وخصوصية وغيرها، وذلك على ضوء الكتاب والسنة لأنه لا بد من شيئين للعمل في هذه البلاد.

1- الدعوة بالأخلاق والإكرام.

2- الدعوة إلى الله على سنة ومنهاج الرسول صلى الله عليه وسلم فكان لابد من مطالعة كتب السيرة، ومن هذه المراجع:
- البداية والنهاية لابن كثير.
- رحمة العالمين للقاضي سليمان.
وذلك لأنهما يحتويان على بيان تفصيلي لكيفية الدعوة.

فالدين الإسلامي دين عالمي يستطيع المسلم المميز المعروف بإسلامه من إقامته في العالم كما قام به إبراهيم الخليل وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام.
فإقامة الدين من أهم الفرائض التي انتقلت نيابة عن الأنبياء ووضعت على عاتق هذه الأمة وفي ذمتها، وكان هذا العمل سعادة عظمى لهذه الأمة حيث أن الله جل جلاله ختم سلسلة النبوة ونقل جوهر الدعوة إلى هذه الأمة فالصحابة الكرام رضوان الله عليهم وهم من السابقين الأولين لهذه لأمة لم يكن لهم مثيل في أداء وتقديم التضحيات للمحافظة على الدعوة لهذه الأمة لم يكن لهم مثيل في أداء وتقديم التضحيات للمحافظة على الدعوة إلى الله حتى تحصلوا معية الله ونصرته وسخر لهم النظام السماوي والأرضي من جهد وأخرجوا الناس من ظلمات الجور والظلم إلى نور الإسلام .

من جهة ثانية لنسمع هذه الأمة والذي عرضه الصحابة في ايوان كسرى.
)إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل منا قبلنا منه ورجعنا عنه ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله قال كفار فارس وما موعود الله قال الجنة لمن مات والظفر لمن بقي.
إن إقامة الدين انتقلت إلينا بدعوة الأنبياء عليهم السلام والصحابة الكرام رضي الله عنهم لهذا علينا أن نضع حياتهم أمامنا ونقوم بهذا العمل وعلينا القيام بالبحث عن الطريقة التي أشاعوا بها الإسلام ونصروه بها.

على أي أساس قامت؟
وما هي طريقتهم في الارتباط مع الإنسانية؟
وما هي طريقتهم في الحصول على معية الله ونصرته؟

وما هو نظام الجهد الذي قام به إبراهيم عليه السلام بدون المعدات حتى زلزل الله عز وجل عرش النمرود؟ وكذلك جعل الله موسى عليه السلام صاحب العصا والجبة منتصراً على فرعون صاحب القوة والحكومة ومجبوراً على التسليم به وإطاعته. وفي يوم بدر كسرت جماعة الفقراء الجياع غرور أهل الشوكة والقوة! وكيف أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قلة عددهم وفي مدة بسيطة من الزمن مسحوا من صفحة التاريخ قياصرة الروم وأكاسرة الفرس وأصحاب الحكومات الكبيرة والقوى العظيمة ولم يبقوا لهم أي أثر؟

يتبين لنا مما تقدم أنه بأداء فريضة الدعوة على منهاج النبوة تكفل الله عز وجل بفلاح وفوز الدارين، وفي هذه المذاكرات فإن المقصد هو توضيح الدعوة على منهاج النبوة ليس إلا، حيث أن دعوتنا هذه خارجة عن الطرق والأساليب الحديثة في نشر الأفكار والمبادئ.
 لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين

المرحلة الابتدائية في إقامة الدين
إنه لشيء ظاهر أنه قبل البعثة النبوية على صاحبهاالصلاة والسلام لم يكن هناك وجود للإسلام ولا لأعمال الإسلام، ولم يكن هناك وجود للصلاة، ولم تكن ترى الحجاج إلا المشركين ولا أصحاب الإيمان والهجرة والمجاهدين ولم تكن هناك الخلافة الربانية والحكومة الإلهية، ولم تكن هناك الجيوش والقوات، ولكن وبعد مدة وجيزة ظهر أصحاب العبادة والخلافة وأصحاب الأخلاق والأعمال وهذا الشيء ليس بحاجة إلى برهان ودليل.

أن وجود وظهور جميع هذه الطبقات لم يكن لقوة حاكم أو لثروة غني وثري، ولكن هذا كله كان ثمراً لجهد الدعوة، هذا هو أول شيء انتقل من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأمة وبعدما أعطانا الأعمال والعبادات وعلمنا قبل كل شيء أعمال الدعوة، فبقيام نظام الدعوة بدأت الفتوحات الإلهية وفتحت أبواب البركات السماوية والأرضية وتزينت الأقوام بالصفات والأعمال،

ولكن الدعوة بأي طريقة كانت لا تكون سبباً للفوز والفلاح، بل إن الدعوة التي تكون على طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي التي تكون سبباً لحصول معية الله عز وجل وعندما تكون المعية الإلهية ففي أي صورة وفي أي حالة يكون الفلاح والفوز!

لهذا وقبل كل شيء كان لزوماً على كل المجتهدين تعلم طريقة الدعوة وتبني الصفات التي بسببها يتحصلوا معية الله تعالى. ففي هذا الكتاب عرض للطريقة النبوية لأعمال الدعوة وإقامة الدين وذلك مدعوماً بالسند من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. نسأل الله تعالى أن يتقبل أمة المسلمين لخدمة الإسلام وإقامة الدين وأن يرزق الأمة منهاج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الدعوة إلى الدين بدلاً من الأساليب والطرق الشائعة والمخالفة.

تقديم التضحيات لنشر الإسلام وإشاعته :
قال تعالى ) يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر ) [المدثر: 1-7].
يخاطب الله جل جلاله في هذه السورة نبيه عليه الصلاة والسلام، يا صاحب الدثار قم بالدعوة وبين عظمة وكبرياء ربك حتى لا يبقى في نظرك في مقابلته شيء، واختر مع ذلك الطهارة واهجر غير الله )أي اترك كل شيء يكون مانعاً لك عن التعلق بالله ولا ترغب أبداً أجراً وإحساناً على الدعوة، لأنك ستعطي وتثاب بكثرة وبالأجر الأوفى، وكذلك تحمل كل ما يصيبك لرضاء الله. هذه الآيات تشتمل على أصول الدعوة حيث أن أصحاب الفرش لا يستطيعون القيام بهذا العمل، فأولاً ترك الفرش الناعمة الدافئة وعندها يكون القيام بالدعوة، وابتداء الدعوة يكون بتكبير الرب جل جلاله يعني إذا لم يكن كبرياء الله عز وجل في القلب نمو هذا العالم وكل ما فيه من أشياء خارج القلب بمقابلة عظمة الله فأي دعوة يستطيع الداعي أن يؤدي فالداعي يستمر بتقديم التضحيات حتى يثبت أنه يمكن تضحية كل العالم وما فيه ولكن لا يمكن أن يضحي بمعية الله ونصرته ولو لفترة بسيطة، لأن حصول معية الله بالنسبة للداعي هي أعظم معية يتحصلها، وكذلك على الداعي تصفية جسمه وروحه من جميع الأوساخ والأمراض الجسمية والروحية والتمرين على تزكية نفسه بالمجاهدة.
فهذه الدعوة بمثابة جوهرة ثمينة جداً، والله جل جلاله لا يعطي هذه الجوهرة لأي إنسان بدون الابتلاء والاختيار، لأنه لحصوله رضاء الله سبحانه والتأييدات الربانية لا بد من العبور على أودية الابتلاء واجتيازها والتسلح والتجمل بالصبر فلا بد لإقامة الدين من التحمل والصبر الذي تحمله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والحالات التي مرت بهم حيث أنها هي طريق النجاح لأصحاب الدعوة فالجوع والعطش والتضحية بالنوم والراحة والبلد والعزة والجاه مع الإيثار والصبر كل ذلك وغيره خير شاهد على تضحياته من أجل الدين صلوات الله وسلامه عليه.

تحمل الرسول صلى الله عليه وسلم للأذى :
لقد وجهت لرسول الله صلى الله عليه وسلم الأقوال الفاحشة وذلك باتهامه بالزنى وفوق ذلك كان يواجه الشتائم والاستهزاء والسخرية بالصبر والتحمل وكان القرآن ينزل عليه يحضه على الصبر كذلك قال تعالى ) واصبر على ما يقولون ) ) وقالوا ءإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ) ) وإذا رأوك أن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولاً ) ، وفي الحديث عن أنس رضي الله عليه، لقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد وأخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال إلا ما يوارى إبط بلال )البداية ج3، ص47).
فلأجل الدعوة والتبليغ ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم النوم والراحة واستبدل الأمن والسكون بالاضطراب والقلق، وتحمل الفقر والفاقة ونحن نذكر هذه القصص حتى يصبح عندنا عادة تحمل الشدائد والصعاب لنشر الدين.
روي عن عروة رضي الله عنه قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم )إلى أن ذكره)، قال فبيناهم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله علسه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفاً بالبيت فغمزوه ببعض القول فعرفت ذلك في وجهه فمضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفتها في وجهه فمضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فقال: "أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح" )البداية ج3، ص6).
ومرة تكلم كفار مكة مع النبي صلوات الله وسلامه عليه فقالوا: إن كنت حقاً تزعم أنك رسول الله فسير عنا هذه الجبال، وابعث لنا من مات من آبائنا، وخذ لنفسك ملكاً يكون معك أو اتخذ لك جنات حتى نعرف قيمتك ويكون لك الشوكة والغلبة أو أسقط السماء علينا كما زعمت أو يكون لك سلّم فترقى في السماء. وكل ذلك بقصد إيذاءه وهو في ذلك يقول لهم إنني لم أرسل بهذا وليس لي أن أفعل ما تقولون حتى تؤمنوا لأن هدايتكم ليست بيدي، ولكن وظيفتي هي تبليغ أحكام الله جل جلاله فكان جواب الكفار أنه لا يمكن أن نسمح لك ولا نأذن لك بهذه الوظيفة ونشر دينك بيننا ولو أدى ذلك لدفع حياتنا، ولكن مع كل هذه التحديات والتهديدات فقد استمر صلوات الله وسلامه عليه بالدعوة والتبليغ وكان يقول لهم" فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تعرضوا أصبر حتى يحكم الله بيني وبينكم.
فلا بأس من تحمل الأذى بمختلف أنواعه من أجل أن يستمر الجهد لتوجيه الناس من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق ولو أدى ذلك إلى تضحية النفس في سبيل الدعوة وتبليغ الرسالة. فالإستقامة والثبات بمواجهة هذه المشقات هي طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم التي يجدر بكل مسلم أن يسلكها في أي زمان ومكان.
لكننا في هذا الوقت لا نتحمل سماع كلمة واحدة لأجل الدين وتبليغه، ولا نستطيع الصبر على الأذى فكيف يمكننا التضحية بالروح والنفس لتبليغ الدين وإعلاء كلمة الله عز وجل.

تحمل المشقات والضرب في سبيل الدعوة لإحياء الدين :
لقد كانت علامات الأذى والضرب تبدو واضحة على جسم الرسول صلى الله عليه وسلم مخبرة عما تحمله في سبيل هذا الدين حيث يصعب الإحاطة بها، ولكن على سبيل المثال لا الحصر نذكر بعض القصص لنعلم كم تحمل حبيب الله وخير خلقه من أجل هذا العمل المبارك وكيف نحن جلسنا عن هذا العمل ولم نبالي بتركه، )عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن العاص فقلت أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما النبي عليه الصلاة والسلام يصلي في حجر الكعبة إذ اقبل عليه عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقاً شديداً فأقبل ابو بكر رضي الله عنه فدفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟! وقد جاءكم بالبينات من ربكم). بيتان د3، ص43.
وفي بعض الأحيان كانوا يضعون الشوك في طريقه في ظلمة الليل حتى يدموا قدميه، وعلى باب بيته يضعون الأوساخ كي ينالوا من صحته وكان يقول لهم بئس الجوار هذا يا معشر قريش. )رحمة العالمين، ص42).
ومرة كان عليه الصلاة والسلام يصلي في الكعبة وبعض رجالات قريش جلوس في الحجر فقال أبو جهل: ذبح اليوم جزور عند بني فلان فأيكم يأتينا بفرثها منكفئة عليه، فانطلق أشقاهم عقبة بن أبي معيط فأتى به فألقاه على كتفه وهو ساجد، فلما فعلوا ذلك تضاحكوا وأخذوا يميلون على بعضهم، فيقول ابن مسعود رضي الله عنه: حدث ذلك وأنا قائم لا أستطيع أن أتكلم وليس عندي منعة تمنعني، حتى أقبلت السيدة فاطمة رضي الله عنها فألقت ذلك عنه واستقبلت قريشاً تسبهم. رحمة العالمين، ص43.
 

فإذا تفكرنا بعمق لهذا العمل المبارك كم من الأذى والمشقات أصابت جسمه الشريف صلوات الله وسلامه عليه وتحملها من أجل الدعوة لهذا الدين الحنيف حيث أعطى هذه الأمة درساً عملياً في الدعوة والتبليغ حتى يبقى نموذجاً حياً، للأجيال القادمة، لكن هذه الأمة لم تقدر هذا العمل، ولم تحسب له حساب، فوقعت في الذلة ولم يقدرها أحد.
فهيا بنا نقوم بهذا العمل على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نتحصل على عزة الدنيا ونعيم الآخرة.

طريقة العمل
وحتى يترقى فينا الإسلام وفي العالم، علينا أن نتحمل الشدائد والمصائب، ونصبر على آذى الجسم، ولو اقتضى ذلك أن نقدم أرواحنا فنقدمها غير مبالين من أجل إحياء الدين وإشاعته في أنحاء المعمورة. فاعتياد التضحية براحة الجسم، وتعريف المسلم بأن تحمل المصائب والمشقات والظلم والمصاعب بجميع أنواعها لا يُذكر بالنسبة لما أعد الله للمؤمنين من الأجر في الآخرة. وعلينا كذلك ترك التنعم والترف والنوم وتعويد الجسم على الصبر وتحمل الأذى والشدائد لأجل الدين، وكذلك تعلم الإيثار والتضحيات بأنفسنا وإقامة الآخرين، واستنفارهم على هذا العمل، وإذا كان هناك من يريد تبليغ الدين وإشاعته وهو جالس على الفراش فهذه ليست طريقة النبي عليه الصلاة والسلام وإن ذلك ابعد ما يكون عن النجاح وبلوغ المرام.

عمل الصحابة رضي الله عنهم :

الدعوة الخصوصية: علاوة على ما تعلمه الصحابة رضي الله عنهم من الاستقامة والصبر والتحمل من الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، فقد تعلموا أيضاً كيف يكون عمل الدعوة وظيفة لا يجوز التهاون فيها، وأنها باقية في اتباع النبي عليه الصلاة والسلام حتى لا تفهم الأجيال القادمة أن الدعوة مقصورة على الأنبياء وحدهم وأنه إذا انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى فهذا العمل ليس ضروري لنا، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم من البداية جعل الأمة شريكة له في عمله وجعلهم دعاة إلى أقوام العالم، فهم كذلك قد أخذوا في تبليغ هذا الدين حصة وافية، واستمروا بالقيام بهذا العمل بالصبر والاستقامة على الرغم من الشدائد والمشقات التي اعترضتهم، فقد كتب صاحب كتاب البداية:
1- قال محمد بن إسحق: فلما اسلم أبو بكر وأظهر إسلامه دعا إلى الله عز وجل، وكان ابو بكر مألوفاً لقومه محباً سهلاً، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجلاً تاجراً ذا خلق معروف وكان رجال قومه يأتونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه الزبير بن العوام وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله، )إلى أن قال) فلما اسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد العدوية وكان يُدعى اسد قريش فشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم فذلك سمي أبو بكر وطلحة القرينين وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "اللهم أكفنا شر ابن العدوية" )رواه البيهقي، بداية ج3، ص339).

الفائدة :
هكذا كان فكر المسلمين في
أول مراحل الدعوة فبعد الدخول في الإسلام عرفوا أن تبليغ الدين أهم عندهم من التجارات والمشاغل المختلفة، فهم عندما قالوا لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، قاموا منذ البداية ووضعوا نصب أعينهم إنقاذ الملايين من البشر إلى طريق النجاة وربطوا تعلق هذه النفوس بمالك الملك، ولكن من المحزن في هذا الزمان أن من قالوا هذه الكلمة آلاف المرات. ومن هم مشغولين في الصلوات والعبادات لا يقومون ولو حتى بجهد بسيط لنشر دين الله لهذا علينا الاقتداء بمسلمي العهد الأول في تضحيتهم للدين كي نجعل في حياتنا الحركة والتنقل للدين كما كانوا وعلى منهاجهم.
2- هذا وقد كتب صاحب البداية والنهاية في بيان حماس وهمة أبي ذر في الدعوة إلى الله … فسمع من قوله فأسلم مكانه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك من أمري". فقال: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين ظهرانيهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم قاموا فضربوه حتى أضجعوه فأتى العباس فأكب عليه فقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأنه طريق تجارتكم إلى الشام فأنقذه منهم ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب عليه العباس. )البداية ج3، ص34).

الفائــدة :
من هذه الواقعات تبين لنا مدى استعدادهم للتحمل من أجل الدين منذ البداية، حيث لم يتحصل بعد على علم الدين ولا الصلاة ولم يكن عنده الفكر للمال والملك ولم يكن توجهه للحصول على المنصب أو أي شيء، بل تعلم الكلمة الطيبة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وخرج داعياً، فمن أجل الدعوة وضع النفس والجسم في المجاهدة وبعدها رجع إلى بيته ليس للجلوس بل استمر في دعوة قومه وبدأوا يدخلون في الدين تباعاً حتى دخل كل قومه في الإسلام بعد دعوته لهم وبذل الجهد، وبالقرب منه كانت تسكن قبيلة اسلم وفيهم أيضاً أثرت دعوته وهم كذلك اسلموا، فعندما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة كانت القبيلتان قد أسلمتا، ومن هنا نفهم أن دعوة الإسلام ليست محتاجة لأهل الملك والمال كي تنتشر لكنها تريد منا لوجودها وانتشارها أن نقتدي بهؤلاء الرجال الذين قدموا التضحيات والجهد مخلصين لا يبتغون العاجلة. وهم كذلك بالرغم من البيئة المخالفة والعادات والأحوال المخالفة استمروا في تقديم الجهد والتضحيات يبتغون إرضاء الله تعالى، فأعطوا الأمة الإسلامية درساً إلى يوم القيامة ووجدوا أن دعوة الإسلام لا تقوم بقوة الحكومة وبكثرة الأموال والجيوش والعدة بل بواسطة المجاهدة والتضحية والتمسك بالطريق التي تعلموها من الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه.

الدعوة العمومية
إنّ السابقين في هذه الأمة جعلوا الدعوة إلى الله مقصد حياتهم، من أول يوم عرفوا فيه الإسلام وآمنوا به حتى أن موتهم وحياتهم كانت لأجل الدعوة، فقد كان الصديق رضي الله عنه تاجراً ولكنه بعد الإيمان أصبح مشغولاً بدعوة الناس إلى الله ليلاً ونهاراً، وفي هذه الأثناء كان يلتقي بأنواع الناس ويتحمل منهم شتى أنواع المشقات والعناء والأذى، ومع كل هذا فهو لم يجلس عن هذا العمل ولا ليوم واحد فهو يتكلم إلى الناس واحداً واحداً ويدعوهم إلى الإسلام، حتى إذا انقضت فترة من الزمن على الدعوة الإنفرادية ودخل في الدين قرابة ثمانية وثلاثون رجلاً الحَّ أبو بكر رضي الله عنه على الرسول صلى الله عليه وسلم في الظهور بالدعوة، والجهر بها في المسجد الحرام وفي المجامع العامة ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام دعاه إلى الانتظار والتريث لقلة عدد المسلمين بحيث يمكنهم تحمل المشقات والعذاب في سبيل الجهر بالدعوة.
ومع زيادة الإلحاح والطلب المتوالي ظهر ميدان الدعوة العمومية وقام الصديق الأكبر داعياً إلى الله تعالى. يذكر لنا صاحب البداية والنهاية قصة ابي بكر وما لاقاه من الكفار من الأذى حين طلب من النبي صلى الله عليه وسلم إعلان الإسلام والدعوة إليه أمام قريش وهي قصة معلومة، وبعد ذلك فقد كان أبو بكر صاحب حظ عظيم حيث أنه في ذلك اليوم في الصباح ضرب بالنعل وفي المساء حبيب الله وصفيه يقبله على الوجه الذي ضرب عليه فقال أبو بكر: )بأبي أنت وأمي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الله فأسلمت). وفي ذلك اليوم أسلم حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم نتيجة لهذه التضحيات بالإسلام لأحد العمرين عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام فكانت الدعوة يوم الأربعاء وأسلم عمر بن الخطاب يوم الخميس وذلك ببركة تضحيات أخته وزوجها.

الفائدة :
) هذه القصة تبين في إحدى جوانبها نموذجاً من تضحيات ودعوة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي الطرف الآخر درس عملي للدعاة من الأجيال القادمة، ففي المجمع العمومي في حال أداء الدعوة لا ينبغي على القائمين بعمل الدعوة الاجتماع في مكان بل عليهم أن يتفرقوا في المجمع حتى إذا اقتضت الضرورة للكلام بعد الخطاب العام والتشكيل يكون في ذلك اليسر والسهولة.

ب) بعد تقديم التضحيات للدعوة، على الداعي أن لا يتحول فكره بل عليه أن يبقى مستمراً بفكر الهداية حتى لا يأتي الاختلاف والتفرق في الدعوة نتيجة لما أصابه من أذى ومشقات فهذا هو الفكر الحقيقي والصديق الأكبر حتى وهو في هذه الحال كان فكره إسلام أمة وهدايتها.

ج) الدعاء قبل أداء الدعوة سنة نبوية لأن الهداية بيد الله تعالى، لهذا قبل مخاطبة الإنسان ينبغي أولاً الدعاء أمام رب هذا الإنسان بالعجز والتذلل وطلب الهداية.

د) بعد التضحيات تظهر نتيجة الدعوة والدعاء فبتضحية الصديق الأكبر رضي الله عنه كان الأثران: أدخل الله في الإسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما.

وسخروا أنفسهم وتفانوا لخدمة الإسلام وإقامة الدين، والمقصود اليوم كذلك هو العمل مع ملاحظة هذه الأمور المتقدمة، فقد يأتي أهل القوة والسلطان، ولكن ينبغي أولاً مجيء أهل التضحية والدعوة والدعاء، ومثل هذا القسم من الناس وهؤلاء لا يأتون إلا بالجهد المتواصل والمستمر. فمما لا شك فيه أن أصحاب الحكومات والقوة خضعوا في خلافة عمر رضي الله عنه لكن عمر بنفسه أولاً خضع أمام أهل الدعوة والتضحيات ولهذا نفهم أن الأصل في تكوين القوة والطاقة هو جهد الدعوة والتبليغ، الذي بسببه ينشأ الإستعداد للتضحية والدعوة والدعاء، وعندما يحب الله تعالى هذه التضحيات ويرضاها ويتقبلها فإما أن يهدي الله أهل الطاقة والقوة ويأت بقلوبهم إلى الدين وإما أن يهلكهم أو ينفيهم.

ه) كل فرد من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين وبلا استثناء كان يقوم بالدعوة والتبليغ ويؤدي هذه الفريضة بالفكر والجدارة المتناهيتين وفي أثناء تأدية هذه الفريضة لم يكن يعيقهم أو يقف أمامهم المال والأولاد والوطن والتجارة والزراعة والقوم والقبيلة بل إن التضحية بكل عائق كان من صفاتهم حتى لا يأتي الفتور والضعف في دعوتهم وهذه قصة ضماد الأزدي رضي الله عنه اسلم ورجع داعياً إلى قومه فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له وعلى قومك فقال وعلى قومي. فقد كان ضماد الأزدي سمع من سفهاء مكة أن محمداً مجنون وكان ضماد هذا يرقي من الرياح فجاء إلى مكة ليعالج النبي صلى الله عليه وسلم ولما سمع بالدعوة ودعاه النبي عليه الصلاة والسلام فاصبح بنفسه داعياً للإسلام فلنتفكر كيف أن إنساناً قبل قليل كان مخالفاً للإسلام وبعد أن وضح أمامه الحق لم يكتف فقط بقبوله ولم يقل أنا الآن دخلت في هذا الدين و الآن لم أتعلم منه شيئاً وهذا عمل عظيم فكيف أتمكن من معرفته والدعوة إليه لكنه أخذ على عاتقه وبهمة عالية وإرادة جبارة أهمية الدعوة لهذا الدين، وتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قليلاً ورجع إلى قبيلته داعياً.

نتعلم من هذه القصص كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أصحابه ورباهم بعمل الدعوة وأقامهم عليه، فبي قيامهم بالجهد وتقديم التضحيات لأجل الدعوة اصبحوا نواب الأنبياء وكان عمل الدعوة هو راس مالهم الأصلي وسبب ارتقائهم لدرجات الكمال فكانوا أفضل الخلائق بعد الأنبياء فمن أول يوم كانوا يدخلون في الدين يبدأون العمل بالدعوة ويستمرون فيه إلى آخر يوم في حياتهم حتى إن فكرهم وهمتهم في أنفاسهم الأخيرة كان مصروفاً في هذا الشيء، كيف ينتشر الدين ويدخل كل الناس في طريق الهداية. وفي الحقيقة إن عمل الدعوة هذا جامع لكل خير فبواسطة الدعوة وصل صوت الإسلام إلى الإنسانية في العالم، وبتقديم التضحيات تتحصل معية الله تعالى ونصرته، وتتزكى النفس وترغب إلى خالقها وبعد ذلك يصبح تطبيق أوامر الله سهلاً، وليس ذلك فقط، بل وتصبح تضحية النفس لكل أمر من أوامر الله ولكل حكم من أحكام الله مقصداً للحياة. فالقيام بالتبليغ والدعوة بالطرق الرائجة والشائعة ليس صعب أو عسير، ولكن الصعوبة في التأسي والاقتداء بالأنبياء عليهم السلام، وطريق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القيام بالدعوة، والدعوة إن لم تكن على طريق ومنهاج النبي صلى الله عليه وسلم فهي تبقى جسماً بلا روح، ولهذا السبب فالدعوة بالطرق الشائعة في هذه الأيام لا تؤثر حتى على الدعاة أنفسهم فكيف يصل أثرها إلى الآخرين. فلنذكر جيداً إذا لم تأت التضحيات إلى عالم الوجود فالدعوة إلى الله تكون بغير المعية والنصرة الإلهية، وعندها لا يكون لها الأهمية في السماء ولا الأثر في الأرض.

لقد كان الشغف والشوق للدعوة والحماس لإعلاء الدين عند مسلمي القرن الأول من الأمور العجيبة، فقبل وقت يسير كان يكون الواحد منهم قد جند نفسه للقضاء على الإسلام وخرج يقول أريد أن أقتل محمداً وتنتهي دعوته، ولكن نجده بعد لحظات قد قبل الإسلام وأصبح داعياً للإسلام ورجع إلى قومه يدعو للإسلام ويعمل على نشره في كل مجلس حتى أعطى عمره وحياته لمقصد الدين وأعطى فكره وقوته وحتى روحه.
تلك هي شخصية الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففي )البداية) قام عمر فقال: يا رسول الله علام نخفي ديننا، ونحن على الحق ويظهرون دينهم وهم على الباطل. قال: يا عمر إنا قليل قد رأيت ما لقينا. فقال عمر: والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان ثم خرج فطاف بالبيت ثم مر بقريش وهي تنتظره فقال: أبو جهل بن هشام: يزعم فلان أنك صبوت. فقال: عمر اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فوثب المشركون إليه ووثب على عتبه فبرك عليه وجعل يضربه وأدخل إصبعه في عينيه فجعل يصيح فتنحى الناس فقام عمر وجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ بتلابيب من دنا منه حتى أعجز الناس واتبع المجالس التي كان يجالس أهلها فيظهر الإيمان ثم انصرف إلى النبي وهو ظاهر عليهم. )البداية ج3، ص31).

فهذه همة وحماس رجل مسلم جديد الإيمان وكيف كان اهتمامه وإقدامه على نشر الدعوة والدين، نسأل الله تعالى أن يرزقنا هذه الحماسة وهذا الشوق.
فالصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، اجتاز كل منهم هذه العقبة في البداية وهذا جوهر صاحب الدعوة وطريقه. فاجتياز هذه العقبة بواسطة التضحيات تحصل القوة الإيمانية، والإيمان الذي يتحصل بغير التضحيات يكون ضعيفاً جداً ويخالطه الخوف والرعب من غير الله ولا يمكن لهذا الإيمان أن يعلم صاحبه الاعتماد والتوكل على ذات الله وحده في أداء الدعوة فمرة تراه يتوجه إلى الملك ومرة إلى المال وتارة إلى القوم والعشيرة وأخرى إلى الحكومات والوزارات فيبقى دائماً متذبذب، وكلما راى شيئاً توجه إليه. وصاحب الدعوة يرجو ويأمل المدد والعون من غير الله كيف يتمكن من أن يوجه الناس إلى ذات الله تعالى؟ لهذا فالصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين تعلموا من الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى أثناء تعليمهم هذا كانوا يتحملون المصائب والشدائد التي تلاقيهم.
يقول صاحب البداية: قال ابن اسحق ثم أنهم عدوا على من أسلم واتبع الرسول صلى الله عليه وسلم من أصحابه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ويسحبونهم برمضاء مكة في شدة الحر كي يفتنوهم عن دينهم فمنهم من يفتتن من شدة البلاء الذي يصيبهم ومنهم من يصلب ويثبت ويعصمه الله منهم. )البداية ج3، ص57).
وبناء على ما تحمله الصحابة من هذه المصائب جاء بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه الدعاء بالخلاص فقال لهم عليه الصلاة والسلام: )اصبرو) أي أن هذا الوقت هو وقت التضحيات فاستمروا بتقديم التضحيات والجهد ونهاهم عن التعجل فعندما تكمل التضحيات يبدل الله سبحانه وتعالى نظام العالم كله.
يقول صاحب البداية عن البخاري : جاء الخباب وسأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة يقول الخباب: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: قد كان من كان قبلكم يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عز وجل وفي رواية ولكنكم تستعجلون. )البداية ج3، ص59).

الفائـدة:
لقد وضح الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة وهي أن الله تعالى وقانونه الذي لا يتغير ، أنه بدون تقديم التضحيات والجهد فإن باب الفتوحات والبركات لا يفتح، فإذا كان المقصد هو إحياء الدين فعلينا أن نقدم التضحيات تلو التضحيات، فإذا تقبل الله هذه التضحيات فهو يبدل الحال بقدرته العظيمة، ولكن من طبع هذا الإنسان العجلة فهو يحب أن ينتهي بالسرعة وهو يريد كذلك استعمال هذه السرعة في قيام الدين والدعوة إلى ذات الله عز وجل مع أن الدعوة إلى الله لا تقوم إلا بالتضحيات المستمرة فالسبب الرئيسي في هذا الزمان لعدم نجاح الدعوة عند الحركات الدينية هو السرعة والعجلة فإنهم يجتهدون لمدة بسيطة وعندما لا يرون النتيجة في الاستجابة للدعوة فبدلاً من الازدياد في تقديم التضحيات لحصول معية الله تعالى، فإنهم يتوجهون لحصول معية الملك والمال والقوم والأكثرية، وتكون فكرتهم أنهم بعد حصول هذا يقوم الدين بالسرعة المطلوبة.
مع أن قيام الدين لا يكون ابداً إلا بالنصرة والمعية الإلهية، وطريق حصول هذه النصرة تقديم التضحيات المتواصلة وعديمة المثال – حتى يتقبلها الله عز وجل ويفصل جل جلاله بعدها أن هذه الجماعة هي حزبي وإنني معهم في مقابلة قوة وطاقة في العالم، ومن يأتي الآن لمقابلتهم ومخالفتهم فإني أهلكه بقدرتي العظيمة قال تعالى: ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) [الحج: 40].

فالآن علينا أن نفكر في مسلمي الأمس كيف هم بعد قبول الإسلام مباشرة شدوا مآزرهم واشتغلوا في الجهد لخدمة وإشاعة هذا الدين وهكذا كانت النتيجة لهذه الجهود أن الإسلام في بدايته وفي عهده الأول ترقى وانتشر.

في هذه الأيام الذين يطالبون ويقولون بإقامة الدين يجتهدون يحاولون الحصول على الأشياء والوسائل المادية، ونشأ عندهم هذا التصور الخاطئ كما أن الكفر يحتاج للأسباب المادية، كذلك فالإسلام محتاج للأسباب المادية، مع العلم أن تاريخ الأنبياء عليهم السلام والقصص والواقعات التي حدثت في عهد الرسالات تعلمنا وتخبرنا أن الأسباب والوسائل دائماً كانت في يد المخالفين وأعداء الدين، وكان أهل الدعوة يبدأون بالجهد وكل اعتمادهم فقط على معية الله والنصرة الآلهية وكانت هذه المعية والنصرة هي نقطة الارتكاز في ارتقاء الدعوة، ومن ثم لتسيير هذا النظام، نظام الدعوة كان الأنبياء عليهم السلام يحرضون أتباعهم وأنصارهم على القيام وتقديم التضحيات فإذا قاموا وقدموا التضحيات وليس لهم مقصد من وراء ذلك إلا إقامة الدين فعندها تصبح نصرة الله قريبة منهم وعين الله ترعاهم حتى إذا بلغت هذه التضحيات درجة الكمال جاء الإعلان من الله العزيز ( ألا أن نصر الله قريب ) [البقرة: 214]. وكأن الله يعلن معلوماً بعد الآن أن وقت المصائب والمشقات قد انتهى وأن النصرة والمدد سيصلكم قريباً والآن أينما توجهتم لقصد إشاعة هذا الدين ونشره فنحن معكم.

لا شك أن في هذا الزمن يوجد الهم والحزن لإقامة الدين، ولكن نتناسى ونغفل عن التضحيات التي كان الأنبياء عليهم السلام يقيمون أتباعهم وأنصارهم على تقديمها لحصول معية الله، فنسعى إلى إقامة الدين بغير معية الله عز وجل ونريد إقامة الدين بالخطب والكتب والمقالات والملك والمال والأكثرية والقومية، وهذه الطرق كلها خلاف سنة الله وخلاف طريق الأنبياء، نعم يأتي هناك وقت تكون الوسائل تحت أقدام أصحاب الدعوة، ولكن نجاح دعوتهم لم يعتمد ولو لمرة واحدة على الوسائل فالمرحلة الابتدائية فقط يكون فيها الاعتماد الكلي على النصرة الإلهية ويكون النجاح والغلبة بدون الوسائل والتي بسببها تنكشف حقيقة الإسلام أمام أعدائه ومخالفيه؛ ففي الحالات التي يكون فيها هزيلاً وضعيفاً لا بد من تعلم كيفية إقامة هذا الدين في حياة هؤلاء الرجال ولأن المجال هنا لا يسمح لكل فرد بالعمل كما يريد وكما يأتي في مخيلته وهواه. وخلاصة ما تقدم:
أنه لتقوية الإيمان وتطبيق أوامر الله لا بد من أداء الدعوة والقيام بعمل الدعوة إلى الله بالشكل الجماعي، وجعل نشر الدين وإشاعته هو المقصد، ولإقامة هذا المقصد التمرين والتدريب على التضحية بكل حائل ومائع وملاقاة الناس وزيارتهم فرداً والتكلم معهم بالحكمة واللين والرجاء ترك اللذات النفسانية والراحة الجسمانية لحصول لذة الايمان والتحول في العالم بيتا بيتا وبلدة بلدة ودولة دولة وبدون أي مقصد ظاهري أو باطني إلا الدعوة إلى الله ونشر الدين وإشاعته، والسفر والتنقل لهذا الجهد العظيم والصبر على كل خسارة جسمية ومالية من أجل القيام بهذا العمل فهو الطريق الرئيسي والسبيل القوم لإصحاب الدعوة.

 

يتبع الجزء الثاني من هنا

كيف يقوم الدين في العالم؟ هناك طريق واحد وهو الدعوة على منهاج النبوة. ج2


بيان لفضيلة الشيخ أحمد الأنصاري رحمه الله نقله لنا الأخ الفاضل أبو هاجر المميز في منتدى الجولة.

Tags:
المشاهدات: 1751

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy

Site Translation

إحصائيات


mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterالزوار لأول مرة اليوم639
mod_vvisit_counterأمس886
mod_vvisit_counterهذا الأسبوع5991
mod_vvisit_counterالأسبوع الماضي6552
mod_vvisit_counterهذا الشهر17516
mod_vvisit_counterالشهر الماضي33773
mod_vvisit_counterالجميع736149

متواجدون(20 دقيقة منذ): 60
رقمك 38.107.179.209

المتواجدون

يوجد 16 زائر حالياً
عدد مشاهدات المحتوى : 824487

..:::: الزوار من أنحاء العالم ::::..