Get Adobe Flash player
Facebook Twitter Google Bookmarks RSS Feed 

إن فلاح وفوز ونجاح جميع الإنس والجن هو فقط في إمتثال أوامر الله عز وجل، على طريقة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

ونؤكد لأنفسنا وللجميع أن النت أو القراءة هي حوافز وتعليم ولا تغني عن تحريك الأقدام ومفارقة الأهل والأوطان لإعلاء كلمة الله فينا وفي العالم

فهكذا يتم تحصيل ونشر الدين

 
والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم اختار أن يكون عبداً رسولاً ولم يحبذا ورفض أن يكون ملكاً رسولاً حينما خير بينهما. فلذلك هم كانوا يعرفون أن الملك والمال ليس له أي دخل من الناحية الأساسية لإقامة الدين وإنما يتعلق بمنهاج الدعوة المحمدي الذي كان بعيداً عن وسائل الملك والمال. وهذا الملك والمال بعد قيام الإسلام أعطاه الله تعالى ونقله إلى أيدي العبيد والإماء الذين هم أهل الإيمان ولكن أواخر هذه الأمة فهموا أن الملك والمال هو أساس لإقامة الدين وهذا هو الخطأ الرئيسي الذي بسببه فشلت جميع حركات الإصلاح والدعوة.
ولم لا؟ وهو أنه عندما تكون الدعوة الإسلامية ليس معها التأييد الإلهي وليس فيها الاتباع لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعندما لا تكون المشابهة والتأسي فمع فشلها في الدنيا هناك الخطر كذلك على الفشل أمام رب العزة في الآخرة ولكننا إذا قمنا بمشابهة طريق الرسول صلى الله عليه وسلم فنتحصل النصر الأكيد في الدنيا والآخرة كذلك.
كان هذا مقطع مقتطف من الجزء الثاني من البيان.... فلنتابع بتركيز. وهو تكملة لما سبق في الجزء الأول: كيف يقوم الدين في العالم؟ هناك طريق واحد وهو الدعوة على منهاج النبوة. ج1


الدعوة بطريق الجولات
في عهد الرسالة روح الدعوة إلى الله تعالى
الدعوة إلى الله تعالى هي جهد وعمل عظيم يختار الله تعالى له أفراد مخصوصين (وهم الأنبياء) يؤلفون رابطتهم وعلاقتهم مع خالقهم ومالكهم من جهة ويجتهدون من جهة أخرى بكل ما أوتوا من قوة لدعوة الناس إلى ذات الله تعالى، وبعد ختم الأنبياء ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم انتقل وتحول هذا الجهد إلى أمة المسلمين، لهذا علم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الجهد لكل فرد من هذه الأمة كما علم وربى القائمين على هذا الجهد كيفية الارتباط مباشرة بالقدرة الإلهية، ومن ثم كان المثال والقدوة في تقديم الجهد والتضحيات اللازمة لدعوة الناس.
ونتيجة لذلك اصبح الصحابة الكرام رضي الله عنهم مشغولين بالدعوة إلى درجة أن خروج الروح من الجسم أهون عليهم من ترك جهد الأنبياء وأصبح من السهل عليهم رؤية الأولاد والزوج وهم يتحملون الجوع والفاقة من أجل نشر الدين فكان انهماكهم في خدمة الدين وإحيائه إلى حد أنهم لم يلقوا أي اهتمام أو التفات إلى التجارة والزراعة والمنصب والحكومة. فالإيمان الراسخ والصبر والإستقامة التامة شيء لا بد منه لإقامة الدين لذلك فقد جعل الرسول صلى لله عليه وسلم كل توجهه واهتمام لنشر هذا الدين وإحياء هذه الصفات حتى سهل عليهم ترك المحبوبات والمرغوبات والمألوفات والرفاهية والراحة والملك والعشيرة والوطن والتجارة والزراعة والمنصب وليس فقط تركها، بل جاء في قلوبهم الرغبة والشوق والعاطفة لتقديم أنفسهم ورقابهم لدين الله تعالى، عندها فقط انتخبت هذه الأمة لنيابة الأنبياء عليهم السلام وعندها أصبحت هذه الأمة مستحقة لنصرة الله تعالى ومعيته وفتحت عليها بركات السماء والأرض وعندها قيل لهم اخرجوا إلى العالم لدعوة ألأقوام إلى الإسلام فخرجوا في كل حال وقدموا المال والنفس لذلك عن طيب خاطر فهذه هي طريقة النجاح والفلاح.

لذلك جعل النفس في سبيل الله تعالى بأقامة الدين بمنزلة الروح وقيل لهذه الأمة بصراحة إذا لم يكن النفر والخروج الجماعي لإحياء الدين فيسلط عليهم العذاب الاجتماعي وبعدها إذا لم تتفتح عيونهم ولم تتوجه أنظارهم واستمروا في سباتهم بعد هذا تسحب منهم الأهلية ويحرموا من هذه الوظيفة.

بهذه الصيغة في القرآن الكريم جعل النفر في سبيل الله والخروج بالشكل الجماعي عملاً لازماً لا مفر منه. قال الله تعالى: (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً) [التوبة]. فإذا نظرنا في تعبير القرآن الكريم يتضح لنا أنّ الخير لهذه الأمة هو في النفر والخروج لأن بقاء الأمة المسلمة هو بالدعوة العالمية والتي لا يمكن أن تبقى بغير النفر والخروج فالأصل في عمل التبليغ هو مادة التضحية وكذلك تعلم نظام الدعوة والتمرن عليه بواسطة الخروج والنفر في سبيل الله تعالى، لهذا فالقوم الذين فقدت منهم مادة التضحية وأصبح الخروج والتحول لدين الله تعالى غير معروفاً عندهم ليسوا أهلاً لإقامة الدين وإحيائه فلإيجاد الكفاءة والاستعداد لذلك ينبغي أولاً وقبل كل شيء الجهد في هذه الأمة وإلا فستبقى دائماً جهودنا بلا ثمر ولا أثر. وفي الأصل أن عمل التبليغ إحياء الخروج في سبيل الله تعالى في الأمة.

النفر والخروج في عهد الرسالة
في هذا الجزء نذكر على سبيل المثال بعض القصص والواقعات لنفر وخروج وسفر الرسول وصحابته الكرام في سبيل الدعوة.

السفر للطائف للدعوة :
مات أبو طالب وازداد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمد إلى ثقيف يرجو أن ينصروه ويؤوه فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف وهم أخوة: عبد ياليل بن عمرو وخبيب بن عمرو ومسعود بن عمرو فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء وما نال قومه منه فقال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشيء قط، وقال الآخر: والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا كلمة واحدة ابداً لئن كنت رسولاً لأنت أعظم شرفاً وحقاً من أكلمك، وقال الآخر: أعجز الله أن يرسل غيرك في رواية (فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، قال لهم: إن فعلتم ما فعلتم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه خبره فيزدادوا عليه جرأة وله إيذاءاً.

وبعد الجولة الخصوصية ابتدأ في الجولة العمومية في القوم واجتمعوا يستهزؤون برسول الله وقعدوا له صفين على طريقه وأخذوا بأيديهم الحجارة فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجارة وهم في ذلك يستهزؤون ويسخرون فلما خلص منهم وقدماه تسيلان بالدماء عمد إلى حائط من كرومهم فأتى ظل حبلة من الكرم فجلس في ظلها مكروباً موجعاً تسيل قدماه ولنسمع حديث رسول الله عليه السلام عن هذه الجولة (فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فإذا في الكرم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة فلما أبصرهما كره أن يأتيهما لما علم من عدواتهما لله ورسوله وبه الذي به فأرسلا إليه غلامهما عداساً بعنب وهو نصراني من أهل نينوي فلما أتاه وضع العنب بين يديه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بسم الله" فعجب عداس فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أي أرض أنت يا عداس! قال: أنا من أهل نينوي فقال النبي: من أهل مدينة الرجل الصالح يونس بن متي؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأن يونس ما عرف وكان رسول الله لا يحقر أحداً يبلغه رسالات الله تعالى.
فقال: يا رسول الله. أخبرني خبر يونس بن متي فلما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأن يونس بن متي ما أوحى إليه من شأنه خر ساجداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جعل يقبل قدميه وهما تسيلان الدماء فلما أبصر عتبه وأخوه شيبة ما فعل غلامهما سكتا فلما أتاهما قالا له: ما شأنك سجدت لمحمد وقبلت قدميه ولم نرك فعلت هذا لأحد منا؟ قال: هذا رجل صالح حدثني عن أشياء عرفتها من شأن رسول بعثه الله تعالى إلينا يدعى يونس بن متي فأخبرني أنه رسول الله فضحكا وقالا: لا يفتنك عن نصرانيتك إنه رجل يخدع وفي رواية أخرى ولما أطمأن قال: اللهم إليك اشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا ارحم الرحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك. (حياة الصحابة، ج1، ص368).

الفائدة :
بعد هذا الدعاء تحرك النظام السماوي فوراً فجاء جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال وقالا: إن أردت أن نطبق عليهم الأخشبين فعلنا! ولا يحتمل ذلك إلا مدة الأمر والإشارة منك فأجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إجابة الشفيق الرحيم: إنما أريد هدايتهم وإن لم يكن ذلك مقدراً لهم فأسأل الله أن يخرج من اصلابهم من يوحد الله. وكان يدعو لهم قائلاً: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، هذه هي طريقة أصحاب الدعوة وهذا كمال الصبر والاستقامة التي بسببها يهدي الله تعالى الأقوام ويقبل بقلوبهم إلى الإيمان والإسلام.
فالنفر في سبيل الله والجهد لدينه تعالى لم يكن لمدة محدودة ومرحلة وقتية وإنما كان نموذجاً عملياً للدعوة والتبليغ إلى يوم القيامة ونستطيع أن نلخص هذه الأصول للداعي كالآتي:

1) على الداعي أن يكون ذو همة عالية وعزيمة قوية فيجتهد للاصلاح في بلده وفي خارج بلده كذلك سوية وعليه أن لا ينظر أنه طالما لم تصلح بلدتي أو دولتي فلا أذهب إلى غيرها. لأن لو كان الأمر كذلك لما خرج رسول الله للتبليغ خارج مكة المكرمة.
2) بعد السفر للخارج بواسطة الجولات الخصوصية والزيارات ندعوا أصحاب الجاه والزعامة ونجتهد لتوجيههم.
3) إذا لم تتوجه هذه الطبقة التي لها الزعامة والأثر فبواسطة الجولة العمومية نقوم بدعوة عامة الناس والتكلم معهم.
4) بعد القيام بالسفر لخارج البلد أو الدولة فليس هناك من الضروري أن يستجيب الناس فوراً للداعي وينصروه بل من الممكن والمحتمل جداً أن تأتي المعارضة والمخالفة من كل الطبقات ولكن من بعد ذلك على الداعي أن لا يخالف أحداً أو يتأثر أو يجادل بل عليه أن يختار الصبر والتحمل وحسن الخلق وأن يستمر في الدعوة في خلال فترة الدعوة، إذا كان الخلاف والنزاع مع أنظمة الطاغوت ووجدنا الفرصة للغلبة ورد الضربة فعندها كذلك علينا أن نلجأ للصبر، بدلاً من أن تتسلط علينا فكرة الإنتقام منهم وإهلاكهم يجب أن تكون فكرة هدايتهم وحب الخير لهم غالبة علينا فهذا الصبر والتحمل تفتح لهم أبواب الهداية، فليس من صفات أصحاب الدعوة الإنتقام ممن يخالفهم ويعارضهم ولكن إذا خالفوا ندعو لهم ونعفو عنهم.

في هذا الزمن يكون النفر والخروج في سبيل الله للدعوة والتبليغ وإحياء طريق الأنبياء عليهم السلام في الدعوة (بالجولات العمومية والخصوصية، بالدعوة العمومية والخصوصية)، الجولة في الحي وفي الأحياء الأخرى مع التضحيات والعبادات وكذلك الدعاء، فهذه كانت الجوهرة الثمينة في حياة الأنبياء عليهم السلام والتي بغيرها لا يمكن أن تقوم دعوة الأنبياء عليهم السلام في العالم. ومن الضروري كذلك إقامة نظام الدعوة وإقامة الفكر لتكوينها حيث أنه من المؤسف جداً بدلاً من إتباع طريق الأنبياء عليهم السلام في الدعوة للإسلام أخذنا بإتباع الطرق التي اختارها غير المسلمين وأصبحنا نريد إقامة الحق بالطرق الباطلة مع العلم بأنه من المستحيلات تعمير صروح الحق على أسس باطلة .

نظرة على جولاته صلى الله عليه وسلم
لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف أخذ في التجول على القبائل المختلفة أو يخرج خارج مكة وكان إذا لقيه مسافر أو غريب دعاه إلى الإسلام ووحدانية الله تعالى ففي تلك الأيام ذهب إلى قبيلة كنده وكان اسم زعيمها مليح ثم وصل إلى بني عبد الله وأخبرهم اسم أبيهم كان عبد الله فكونوا اسماً على مسمى (أي كونوا عباداً لله حقاً).
وذهب صلى الله عليه وسلم إلى بني حنيفة فأنكروا عليه أسوا نكران .
وذهب إلى قبيلة عامر بن صعصعة حيث أن رجلاً منها يقال له بجيرة بن فراس فلما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت إن نحن تابعناك ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فأجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر لله يضعه حيث يشاء لأن الذي يقوم هنا عليه أن يقدم المال والنفس لرضاء الله تعالى فقط وليس لأي مقصد آخر فلما سمع الجواب قال: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لاحاجة فيك …
 
التجول على منازل العرب :
ويستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في تجواله على منازل العرب سنتين متواليتين وكان يرافقه أبو بكر الصديق وعلي رضي الله عنهما أو زيد بن حارثة فكان صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإيمان بالله تعالى ويعرض نفسه على قبائل العرب حتى ينصروه ويمنعوه لتبليغ رسالة ربه. ولم يكن صلى الله عليه وسلم من طريقته في الدعوة جمع الناس والخطابة فيهم وإنما كانت طريقته كما يتضح من رواية ابن كثير التالية
والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك راد ولايصده صاد فهو يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم وفي المواسم ومواقف الحج ويدعو من لقيه من حر وعبد وضعيف وقوي وغني وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده سواء. (البداية ج3، ص40).

الفائدة:
يتضح من هذا طريقة الداعي فقد كان صلى الله عليه وسلم يتكلم مع كل من يلاقيه وذلك لإشاعة الإسلام وتكوين البيئة في كل حي وكل بيت فهو يعرض على الناس كلمة التوحيد ورسالته ومن قبل منه الإسلام فهو يعرف من أول يوم يدخل فيه الإسلام أن وظيفته كذلك دعوة الناس إلى الله وحده ولم يكن أحدهم يفهم أن مجرد دخوله في الإسلام كاف له فطريقة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله تعالى واضحة جداً ولكن القيام بالدعوة على هذا المنوال بالتجوال على البيوت والأحياء صعب جداً على النفس وأما إلقاء الخطب وطباعة النشرات والقيام بالدعوة بهذه الطرق المختلفة ليس فقط سهلاً بل بسبب انتشار هذه الطرق في العالم أصبحت هذه الطرق مرغوبة الآن لدى النفس ولكن عند الله تعالى ليس هناك أية قيمة لما هو شائع ومنتشر بل إن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هو الشيء المطلوب والمحبوب عند الله تعالى، ففي زماننا الحاضر تلقى الخطب في الحفلات والاجتماعات الكبيرة أما الذهاب إلى الناس وقرع أبوابهم عليهم والتجول في أحياهم لدعوتهم إلى الله تعالى فمحتقر لدى الناس الآن؟ وحتى كثير من الناس المتدينين يستهزؤون بهذه الطريقة مع العلم بأن التجوال بهذه الطريقة هي العمل الأساسي في دعوته صلى الله عليه وسلم ولكن إذا تصدق قلوبنا وتقنع فهناك ألف حجة.

جولات الرسول صلى الله عليه وسلم :
لقد قدمنا في السابق عن كيفية جولات الرسول صلى الله عليه وسلم بصورة مجملة والآن نورد بعض القصص لفهم طريقة التكلم في هذه الجولات بشكل تفصيلي فهذه الجولات استمرت من 10-12 سنة ولم يكن لها أي فائدة ظاهرة ولكن هذه الجولات مع استمرارها في إيجاد الأثر في قلوب الناس كانت مع ذلك تحرك النظام السماوي وتوجهه إلى طرفها إلى أن جاء الوقت وقضى الله سبحانه وتعالى وفصل بالهداية لأهل العالم واصبح نور الإيمان يسري ويتغلغل في القلوب، فهذه الجولات بمثابة الأساس لإقامة الدين فقد بدأت في مكة المكرمة وأصبحت تتوسع حتى شملت جميع أنحاء الجزيرة، لكن عندما جاءت في أيدي الأمة الإسلامية تقاليد البلاد والأموال بسبب هذه الجولات اصبحوا يفهمون أن الحكومة والأموال اصلاً لإقامة الدين. الأوائل والسلف من هذه الأمة كانوا على علم من أن المال والحكم وإن كان تحت الدين وتابعاً له لكن هذا كله لا يعادل إذا ما قورن بجولة واحدة من جولات الدعوة على النهج المحمدي لذلك كانوا يقدمون ويؤثرون الخروج في سبيل الله تعالى لإقامة الدين والتضحية بالنفس لذلك، على أن يكونوا ولاة وعمالاً على الولايات والإمارات المختلفة ففي زماننا هذا أهتم الناس واجتهدوا لحصول المال والحكم. أما هم فقد كانوا يبكون على مجيء الأموال والغنائم وذلك لأنهم كانوا على بينة من هذا السر العظيم.

والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم اختار أن يكون عبداً رسولاً ولم يحبذا ورفض أن يكون ملكاً رسولاً حينما خير بينهما. فلذلك هم كانوا يعرفون أن الملك والمال ليس له أي دخل من الناحية الأساسية لإقامة الدين وإنما يتعلق بمنهاج الدعوة المحمدي الذي كان بعيداً عن وسائل الملك والمال. وهذا الملك والمال بعد قيام الإسلام أعطاه الله تعالى ونقله إلى أيدي العبيد والإماء الذين هم أهل الإيمان ولكن أواخر هذه الأمة فهموا أن الملك والمال هو أساس لإقامة الدين وهذا هو الخطأ الرئيسي الذي بسببه فشلت جميع حركات الإصلاح والدعوة.
ولم لا؟ وهو أنه عندما تكون الدعوة الإسلامية ليس معها التأييد الإلهي وليس فيها الاتباع لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعندما لا تكون المشابهة والتأسي فمع فشلها في الدنيا هناك الخطر كذلك على الفشل أمام رب العزة في الآخرة ولكننا إذا قمنا بمشابهة طريق الرسول صلى الله عليه وسلم فنتحصل النصر الأكيد في الدنيا والآخرة كذلك.

عرضه عليه الصلاة والسلام الدعوة في منى:
عن ربيعة بن عباد بن أبيه قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى إذ برسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: يا بني فلان إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وأن تتركوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به. (البداية، ج3).

الفائدة :
كان الرسول صلى الله عليه وسلم في جولاته يؤكد على شيئين:
1- التوحيد الكامل وترك كل ما سوى الله تعالى.
2- الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وبالتصديق بما جاء به وتضحية المال والنفس لإقامة الدين ونصرته صلى الله عليه وسلم لإقامة هذا الدين .
 
فلم يكن عندهم أن الإنسان يؤمن ومن ثم يخرج ويشتغل في العبادة، لذلك الصحابة الكرام – رضوان الله عليهم – عذبوا بالجمر وكانوا يجرون بالحبال بأزقة مكة ووضعوا على الرمل الحار وتحملوا جميع أنواع المظالم واستمروا في الدعوة إلى الله تعالى، ولم يقل أحد منهم:
 
أنه لم يكن عندنا الحكومة
ولم يكن المال في أيدينا
أو إذا لم يستجيب الناس فكيف تمشي الدعوة وكيف يقوم الإسلام.
بل هم استمروا في أداء التضحيات حتى تقبلت هذه الدعوة وقضى الله تعالى بالهداية للإنسانية.

والآن كذلك نفرغ أوقاتنا ونقوم بالتدريب والتمرين على هذه الجولات مع التضحية، والفرق هو أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتجولون على الكفار يدعونهم للإسلام وهذه الجولات للآن هي لتحريض الأمة للقيام على الدعوة للإسلام وهذه الأمة التي خرجت منها الكفاءة والأهلية لأداء الدعوة هذه الأمة علينا أن نرجوها ونحرضها لكي تقوم وتتحصل ذلك المقام الرفيع مقام الدعوة إلى الله تعالى وتأخذ في ذلك منهاج الصحابة الكرام رضي الله عنهم أسوة وقدوة لهم في جهدهم .

جولاته عليه الصلاة والسلام للدعوة في سوق ذي المجاز :
استمر الرسول عليه الصلاة والسلام السنين وهو يتجول في احياء مكة المكرمة والأسواق ولم يكن مقصد هذه الجولات فقط الإقرار بهذه الكلمة أو إخبار الناس بالتوحيد ولكن حتى يرسخ في الذهان والعقول أن هذه الكلمة كلمة التوحيد، هي التي يمكن فيها فلاح وفوز الدارين وكلما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو قوماً من الأقوام لهذه الكلمة يعطيهم على ذلك الضمانة بالفلاح والفوز، حيث كان يقول عليه السلام "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" يعني ايها الناس بدلا من إقامة الروابط مع المخلوق لقضاء حاجاتكم اجعلوا فقط رابطة واحدة مع ذات الله تعالى.
فعندما ينقطع إلتفاتكم توجهكم عن المخلوق وتصبحوا عبيداً للخالق عز وجل فإنه يتكفل بكل حاجاتكم الاجتماعية والإنفرادية "من كان لله كان الله له" (البداية).
فهذه الجولات العمومية "أثمرت بعد سنين وأصبحت سببا للنفر في سبيل الله إلى أنحاء العالم كما يروي صاحب البداية "عن رجل من كنانة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز وهو يقول: يا ايها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وإذا خلفه رجل يسفى عليه التراب فإذا هو أبو جهل وهو يقول يا ايها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا اللات والعزى. (البداية، ج3، ص139).

الفائدة:
لم يكن من نظام دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا من ترتبيهم أن يخطبوا الخطب الطويلة لتقليب قلوب الناس ولم يكونوا يعرضون على الناس الإسلام الفلسفي، بل كانوا يفعلون ذلك لإدخال الإيمان في قلوب الإنسانية يقدموا التضحيات ويذهبوا إلى الناس واحداً واحداً وفي كل مجمع للناس يتقدموا ويتبينوا عظمة الله تعالى فكانت دعوتهم قائمة على أساس التضحية، ولم يحدث أنهم عرضوا الإسلام بالخيال الشاعري التصوري لحصول الخراج والضرائب من الناس، ولم يكن مقصودهم أن الناس ينفعلوا بكلامهم حتى يهتفوا لهم ويصيحوا خلفهم، إنما كان مقصدهم التوحيد وهو تحويل هذه القلوب وتوجيهها إلى ذات الله تعالى لأن الإنسان مستعد لسماع أي شيء ولكن ليس بمستعد للتضحية بحياة الشهوات والقيام بما يرضي الله تعالى. لذلك كان عمل الأنبياء عليهم السلام شاقاً وصعباً لأنهم لم يكونوا فقط يخطبون في الناس ومن ثم يضحكون ويلعبون وإنما كانوا يجتهدون على كل إنسان حتى يصبح نموذجاً في الإيمان والأعمال لذلك كان كلام الأنبياء هذا للناس لا يطاق ولذلك كانوا يبتعدون عنهم ويقدموا بكل ما يمكنهم ضدهم وفي مخالفتهم.
أما في خطبنا الموجودة الآن فهناك يكون الحظ الأوفر في لذة النفس بهذا الخطيب والواعظ بنفسه لم يكن لله ولم يتعلق به فكيف له بأن يربط غيره بالله، لقد فهم الناس في هذا الزمان أن الدعوة والخطابة شيء واحد لم يفرقوا بينهما علماً بأن الأنبياء عليهم السلام هم الذين جاءوا بنظام الدعوة في العالم وعلموه للناس، وأما الخطابة فاساتذتها هم خطباء الجاهلية، فمقصود التبليغ إيصال كلام الله تعالى مع بذل الجهد وتحمل كل الصعاب لذلك وإن اقتضى الأمر إلى تحمل الضرب والأذى أو سفي التراب بالوجه أو القذف بالحجارة لأن الدعوة في الحقيقة ينبغي أن تؤخذ من حياة الأنبياء عليهم السلام.

عرضه عليه السلام الدعوة على بني شيبان :
واخرج أبو نعيم في ص96 عن ابن رضي الله عنهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر رضي الله عنه إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر فسلم وكان أبو بكر مقدماً في كل حين وكان رجلاً نسابه فقال: ممن القوم؟ قالوا من ربيعة قال: وأي ربيعة أنتم؟
فذكر الحديث بطوله وفيه: قال ثم انتهيت إلى مجلس عليه السكينة والوقار إذ رجال لهم اقدار وهيئات، فتقدم أبو بكر فسلم – قال علي وكان مقدماً في كل حين – فقال لهم أبو بكر: ممن القوم؟ قالوا: نحن بنو شيبان بن ثعلبة، فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي ليس بعد هؤلاء من عز في قومهم وكان في القوم مفروق بن عمرو وهاني بن قبيصة والمثنى بن حارثة والنعمان بن شريك فذكر الحديث بطوله حتى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وأن تؤوني وتنصروني وتمنعوني حتى أودي عن الله تعالى ما أمرني به" (حتى قالوا) ولعل هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول فإن أردت أن ننصرك مما يلي العرب فعلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه. ثم قال رسول الله: ارأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيراً حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم ويفرشكم بناتهم أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال له النعمان بن شريك: اللهم وأن ذلك لك يا أخا قريش. فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم قابضاً على يد أبي بكر رضي الله عنه. (البداية ج3، ص145).

الفائدة :
لقد قبل زعماء هذه القبيلة بكلامه صلى الله عليه وسلم ورضوا بما قال ولكنهم بسبب عدم ملاءمة الأحوال في زمانهم ذلك اعتذروا عن الدخول في الإسلام وقالوا: "وأما ما كان مما يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول" وكأنهم خافوا من مناوشة الفرس وحربهم فأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقهم ثم أخبرهم أنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه. أي أخضع جميع الأحوال لهذا الدين ولما بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأموالهم وبلادهم وبناتهم قالوا كالمعجبين "اللهم وأن ذلك لك يا أخا قريش" أي هل تستطيع قتالهم بغير الأموال والقوات فأجابهم صلوات الله وسلامه عليه: إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أي أنني صاحب الدعوة الإلهية وليس من الضروري لصاحب الدعوة الإلهية أن تكون معه القوة المادية لأنه إنما هو رسول الله تعالى، والنصرة الإلهية معه لا تستطيع أن تقهرها أي طاقة في العالم فتعجبوا من كلامه صلى الله عليه وسلم وسكتوا ولم ينكروا ذلك كما يفعل المسلمون في هذا الزمن، وقام صلى الله عليه وسلم وأخذ يتجول في القبائل الأخرى. وقد ورد هذا من طرق أخرى وفيه أنهم لما تحاربوا هم وفارس والتقوا معهم بقراقر – مكان قريب من الفرات – جعلوا شعارهم اسم محمدصلى الله عليه وسلم فنصروا على فارس، وقد دخلوا بعد ذلك في الإسلام. وذكر أيضاً اين كثير في البداية: "فلم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيراً حتى خرج إلى أصحابه فقال لهم: احمدوا الله كثيراً فقد ظفرت اليوم أبناء ربيعة بأهل فارس قتلوا ملوكهم واستباحوا عسكرهم وبي نصروا"ز (البداية ج3، ص145).
 
وبعد عشر سنين كاملة من الأذى فتحت الطرق لنشر الإسلام.
أخرج أبو نعيم أيضاً في الدلائل ص105 عن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه والزهري رضي الله عنه قال: لما اشتد المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: يا عم إن الله عز وجل ناصر دينه بقوم يهون عليهم رغم قريش عزا في ذات الله. فامض بي إلى عكاظ فأرني منازل أحياء العرب حتى أدعوهم إلى الله عز وجل وأن يمنعوني ويؤوني حتى أبلغ عن الله عز وجل ما أرسلني به قال. فقال العباس: يا ابن أخي أمض إلى عكاظ فأنا ماض معك حتى أدلك على منازل الأحياء فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بثقيف ثم استقرى القبائل في ستة، فلما كان العام المقبل وذلك حين أمر الله تعالى أن يعلن الدعاء لقي الستة أو السبعة نفر الأوسيين والخزرجيين.
وأخرج الطبراني أيضاً مرسلاً عن عروة رضي الله عنه حتى قال: وأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرهم خبر الذي اصطفاه الله من نبوته وكرامته وقرأ عليهم القرآن، فلما سمعوا قوله انصتوا واطمأنت نفوسهم إلى دعوته وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من ذكرهم إياه بصفته وما يدعوهم إليه فصدقوه وآمنوا به وكانوا من أسباب الخير ورجعوا إلى أوطانهم دعاة إلى الإسلام وأخبروهم بأن النبي الذي انتظره العالم طويلاً قد ظهر ولقد سمعنا كلامه بآذاننا ورأيناه بأعيننا فجعل رابطتنا بالله الحي الذي لا يموت وعرفنا حقيقة الدنيا والآخرة، حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها الناس لا محالة. (رحمة العالمين ج، ص70).
فلننظر إلى انهماكه صلى الله عليه وسلم في تبليغ الدعوة وكيف تحمل من أجلها كل الصعاب والشدائد فكانت هذه هي الأصول الأولية بالنسبة لدعوة النبي لما قبلها الستة نفر رجعوا إلى المدينة مبلغين واصبحوا من دعاة الإسلام. حتى لم يبق دار من دور المدينة إلا اسلم فيها ناس لا محالة. فهذه كانت عاطفة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، عاطفة الدعوة بطريق الجولات، مقتدين بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم في تجواله ودعواته، وهكذا قامت الدعوة بواسطة المسلمين كذلك.
إن جهد دعاة الإسلام من أهل المدينة ومجيء ستة نفر آخرين معهم لبيعته صلى الله عليه وسلم كان له نتيجتين: الأولى أن أرض المدينة أصبح فيها الاستعداد والصلاحية لتقبل الإسلام. والثانية: أن هؤلاء الستة نفر جاءوا بستة آخرين معهم في السنة الثانية عشر للبعثة إلى مكة المكرمة لبيعته صلى الله عليه وسلم فلما بايعهم ورأى إقبالهم واستعدادهم أرسل معهم مصعباً رضي الله عنه لدعوتهم وتعليمهم الإسلام وقد كان مصعب رضي الله عنه فتى مكة شبابا وجمالاً وسبيباً (أي شعر ناصيته) وكان أبواه يحبانه وكانت أمه مليئة (غنية) كثيرة المال تكسوه أحسن ما يكون من اللباس وارقه وكان أعطر أهل مكة يلبس الحضرمي من النعال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكره ويقول: ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير. (حياة الصحابة ج1، ص383).
لكنه لما تحصل نور الإيمان وخالطه قلبه بشاشته ترك كل هذا النعيم وذهب إلى المدينة منادياً وداعياً لدين الحق وأخذ يدعو للإسلام وكان عليه ذاك كساء يجمع بين طرفيه بالشوك كراهية أن ترى عورته.

إننا في هذه الأيام نحتاج في الدعوة والتبليغ إلى شيئين أساسيين وهما:
1) الجهد في الأحياء لإقامة البيئة الصالحة أثناء إقامتنا في البيوت.
2) الجهد لإخراج الناس من بيئتهم إلى بيئة الدعوة والأعمال واثناء الخروج علينا أن نجتهد لإقامة الناس على التضحية للدين في المناطق التي نذهب إليها، وإخراج القدماء من هذه الأحياء حتى يزيدوا في تضحياتهم فبخروج أهل الفكر والجهد يفتح الله سبحانه وتعالى أبواب الهداية والرحمة لأهل العالم.

الجولات العمومية في أحياء المدينة والشورى لها:
عندما وصل مصعب وأسعد بن زرارة إلى المدينة المنورة أخذوا بتعليم من أسلم منهم الإسلام ودعوة من لم يسلم بعد الإسلام أخرج ابن اسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيره: أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر على بئر يقال له مرق. فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل وكلاهما مشرك على دين قومه. فلما سمعا به قال سعد لأسيد: لا ابا لك. انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما أن يأتيا دارنا فإنه لولا اسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما. (البداية، ج3، ص152).
مما تقدم يتضح لنا كيف كان أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يدعون الناس ويقومون بتبليغ دين الله تعالى:
1) فأولاً هم اجتمعوا عند بئر مرق ومن ثم أخذوا يتشاورون فيما بينهم في الطريقة التي سيدعون الناس بها.
2) يتضح من كلام سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير أن المسلمين أرادوا الذهاب للأحياء والبيوت المختلفة لدعوة أهلها، حيث قال سعد: فازجرهما وانههما أن يأتيا دارنا.
 
والدار تشمل بيوت القبيلة كلها. فعن الصحابة الكرام رضي الله عنهم أخذت الجولات في الأحياء والحارات والشورى وأعمال الدعوة في هذا الزمان. وإنما الفرق الذي بيننا وبينهم أنهم كانوا يدعون الناس إلى الإسلام وإلى ترك الشرك وعبادة الأصنام ونحن في هذا الزمان ندعو الناس لتعلم الإسلام والعمل به والقيام عليه. ولكن عدم إشتراك الناس بالعمل بهذا المنهاج والأسلوب هو الظن منهم بأن الدعوة بهذه الكيفية لم تثبت بدليل. إلى أولئك وإلى كل طالب للحق وقائم به نقدم لهم جميعاً هذه القصة ، قصة جولات مصعب رضي الله عنه وما تقدم قبلها من القصص في جولات النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام في مختلف الحالات والمواقع.

هذا وقد لمسنا التجربة بأن الجهد بطريق النبي صلى الله عليه وسلم سهل وبسيط يستطيع أن يقوم به كل مسلم، كما فعل كل واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانوا جميعاً دعاة لدين الله تعالى اينما كانوا وحيثما اتجهوا.

والله نسأل أن يهدينا وأن يشرح صدورنا للحق وللعمل به. والسلام على من اتبع الهدى

تم بيان فضيلة الشيخ أحمد الأنصاري رحمه الله نقله لنا الأخ الفاضل أبو هاجر المميز في منتدى الجولة.

Tags:
المشاهدات: 1515

التعليقات (3)

RSS خاصية التعليقات
ملاحظه بسيطــه ... ومهمـــه ..
السلام عليكم مشكور على هذا الكلام ...

الرسول صلى الله عليه وسلم ... هو القدوه لنــا في العبادات

والدعوة الي الله لاشك انهـــا من أجل العبادات ..

لاكن لا دعـــوة صحيحـة من غيــر علم بدين الله ..

فنحن المسلمين مأمورين أن ندعو لدين الله الاسلام ..

فكــان الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بالله وديــنه ..

فلو تفضلت بـارك الله فيك وبيــنت اهمية العلم قبل الدعوة

ومن ثم الدعوة ... لان الدعوة عباده ولا عباده ألا بعلم ..

والسلام عليكم
محمد العتيبي , June 29, 2011
تلمسان
ان كنت تقصد من اشتراطك "العلم " أهو المشروط في جواز الافتاء أي بعد بلوغ رتبة الاجتهاد ؟ فان كان كذلك فهنا يسقط الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و الدعوة الا على المجتهدين من الأمة ، و بالتالي لا فائدة في كل أحاديث الامر بالمعروف ، و ان كنت تقصد العلم الضروري باعتبار أن هذا النوع من الدعوة انما يتعلق بما هو معلوم ضرورة ككون الله واحد و كوجوب الصلاة و الصيام فهذا مما لا يجهله مسلم ، و أما فروع الفقه و مسائله فهي واجب تعلمها و محرم الدعوة فيها لأنها تتعلق بالأدلة لا بالعلم الضرروي و العوام أنى لهم بأصول الاستدلال ؟؟ هذا كلام فيه فقه و فهم و هو تأصيل لما درج عليه الفقهاء من التفريق بين الدعوة التي هي فرض كفاية و التي هي عين و
أبو حزم التلمساني , August 14, 2011
طلب العلم أولاً ثم الدعوة إلى الله؟
إذا كان طلب العلم شرطاً قبل القيام بالدعوة فكيف نفسر رجوع من اسلم من الانس و الجن الى قومهم مبلغين و منذرين بعد لقائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا لم ينبههم إلى ضرورة طلب العلم أولاً ثم الدعوة إلى الله؟ العلم الضروري هو العلم بالأمر أو المسألة التي تدعو إليها إذ لا يُعقل و لا يُقبل أن يتكلم المرء بما لا يعرف فيفتري الكذب. ينبغي علينا التمعن في السيرة و أن نعرف أن الدعوة إلى الله وظيفة كل واحد منا حسب طاقته و علمه و ليس فقط العلماء و اهل الفقه و الاجتهاد. والسلام
Ahbab America , September 03, 2011

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy

Site Translation

إحصائيات


mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterالزوار لأول مرة اليوم639
mod_vvisit_counterأمس886
mod_vvisit_counterهذا الأسبوع5991
mod_vvisit_counterالأسبوع الماضي6552
mod_vvisit_counterهذا الشهر17516
mod_vvisit_counterالشهر الماضي33773
mod_vvisit_counterالجميع736149

متواجدون(20 دقيقة منذ): 60
رقمك 38.107.179.210

المتواجدون

يوجد 16 زائر حالياً
عدد مشاهدات المحتوى : 824488

..:::: الزوار من أنحاء العالم ::::..