–كيف نزداد بالعمل الصالح إيمانًا؟ أهمية التحفيز للتشجيع على القيام بالعمل، نحن بصدد مجموعة من وسائل تحفيز النفس.. ومنها:
أولًا: السؤال:
السؤال يستثير مشاعر الرغبة داخل الإنسان لمعرفة الإجابة، والسؤال كذلك يشغل الذهن بطلب الإجابة، ومن ثمَّ فهو من الوسائل المهمة لتنبيه العقل، فإذا ما انتبه العقل كان من السهل استثارة المشاعر بالوسائل الأخرى .
لذلك علينا أن نسأل أنفسنا قبل أداء العمل:
ثم نبحث عن الإجابة من خلال استعراض الوسائل الأخرى التي ستأتي لاحقًا – بإذن الله –
وأهمها: تذكُّر أن الله عز وجل يحب هذا العمل، وتذكر فضله وأهميته ..
.. تأمل قوله تعالى لموسى عليه السلام :﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴾ [طه: 17]
فالله عز وجل يعلم أن ما بيمينه عصا، ولكن المطلوب هو تركيز انتباه موسى – عليه السلام – لأقصى درجة .
والقرآن مليء بالتوجيهات والمعاني الإيمانية التي تسبقها أسئلة، كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الصف: 10] .
وقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴾ [الكهف: 103] .
وقوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾ [النبأ: 1، 2] .
والسنة كذلك مليئة بتوجيهات ومعانٍ إيمانية تسبقها أسئلة :
قال صلى الله عليه وسلم: « أتدرون من المفلس ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى عنه ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار»
وقوله: « ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة »
وقوله: « ألا أدلك على سيد الاستغفار ؟! اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، وأبوء إليك بنعمتك علي، وأعترف بذنوبي، فاغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لا يقولها أحدكم حين يُمسي فيأتي عليه قدر قبل أن يُصبح إلا وجبت له الجنة، ولا يقولها حين يُصبح فيأتي عليه قدر قبل أن يُمسي إلا وجبت له الجنة ».
فعندما نذهب للوضوء نسأل أنفسنا: لماذا نتوضأ ؟
وعندما نذهب للصلاة في المسجد نسأل أنفسنا: لماذا نصلي في المسجد ؟.
وعندما نذهب لصلة أرحامنا نسأل أنفسنا: لماذا نذهب إليهم ؟ ...
وهكذا في كل أعمالنا ...
ثانيًا: تذكُّر الله عز وجل
من الوسائل المهمة التي تحفز للعمل، وتوجه النية توجيهًا صحيحًا: تذكُّر الله عز وجل في هذا العمل، وكيف أنه سبحانه وتعالى يحب من عبده القيام بهذا العمل، وأنه – سبحانه – يباهي بنا الملائكة عندما نقوم به، وأن هذا العمل وسيلة لنيل مرضاته، وأن العبودية له سبحانه تستدعي القرب منه بالأعمال الصالحة، فتستثير هذه المعاني – عندما نتذكرها – مشاعر الشوق والرغبة في الله عز وجل .
والآيات التي تؤكد هذا المعنى كثيرة .
منها قوله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222] .
وقوله:﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110] .
وقوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ [البقرة: 265] .
ونجد في السنة كذلك أحاديث تبدأ بالتذكير بالله عز وجل وأنه يحب من عبده القيام بهذا العمل كقوله صلى الله عليه وسلم: « إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه »
وقوله: « إن الله يحب سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء»
وقوله: « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت »
.. فإذا قمنا إلي الصلاة في الليل نتذكر أن الله عز وجل يحب أن يسمع صوتنا ومناجاتنا ودعاءنا له، وأن هذا العمل وسيلة من وسائل نيل مرضاته .
وإذا وجدنا أذىً في الطريق نُذكِّر أنفسنا بأن الله عز وجل يحب من عباده الرحماء الذين يشفقون على خلقه، ويحرصون على دفع الضر عنهم ...
ثالثًا: التذكير بفضل العمل
النفس البشرية جُبلت على الرغبة في تحصيل أي نفع يُتاح أمامها، لذلك فمن أيسر وسائل استثارة المشاعر تجاه القيام بعمل ما: التذكير بالعائد الذي سيعود على المرء نظير أدائه له، ولقد حفلت نصوص القرآن والسنة بذكر الثواب المترتب على الأعمال لتكون حافزًا قويًّا للقيام بها.
فعلى سبيل المثال:
من الآيات القرآنية قوله تعالى في فضل الإنفاق: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261] .
وفي فضل الجهاد: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [الصف: 10 - 12] .
ومن الأحاديث النبوية في فضل ذكر الله قوله صلى الله عليه وسلم: « ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرِق في سبيل الله وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم .. ذكر الله »
وقوله صلى الله عليه وسلم في فضل الإنفاق: « من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله عز وجل يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل »
وفي فضل قيام الليل يقول صلى الله عليه وسلم: « عليكم بقيام الليل ؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد»
فعلينا إذن الاجتهاد بتذكير أنفسنا بفضل العمل قبل القيام به، وهذا يستدعي منا النظر في كتب فضائل الأعمال كالمتجر الرابح للحافظ الدمياطي وغيره .
رابعًا: التذكير بأهمية العمل:
مشاعر الرغبة داخل القلب تستثار كلما أدرك المرء أهمية العمل الذي ينوي القيام به، فعلى سبيل المثال: إذا ما قام العبد بتذكير نفسه قبل قراءة القرآن بأنه سيقرأ كلام الله وما فيه من روعة وجلال، وأنه سيتناول الدواء الرباني الذي فيه شفاؤه، وأنه سيتعرض للنور المبين الذي يبدد الظلمات في عقله وقلبه، وأن الملائكة تقترب منه لتسمع قراءته و...، فإن ذلك من شأنه أن يستثير مشاعر الرغبة والشوق نحوه، فيقبل عليه إقبال الظمآن على الماء .
وإذا ما قام المرء بتذكير نفسه قبل زيارته لمريض أن هذه الزيارة سترفع معنويات المريض – بإذن الله – وتُسرّي عنه، وأنه سوف يجني منها رقة في قلبه، وامتنانًا لربه لأنها ستذكره بنعمة العافية التي يتقلب فيها، و...، فمن المتوقع أن يُقبل عليها بمشاعر متأججة .
وعند الإنفاق في سبيل الله يُذكِّر المرء نفسه بأن هذا الإنفاق قد يكون سببًا في إنقاذ مريض من الموت، وسد حاجة فقير معسر، وشكر لنعمة اليسار والغنى ..
وعند قيام الليل يُذكِّر المرء نفسه بأن هذا القيام هو شرفه وعزه، وأنه من أفضل أوقات استجابة الدعاء، وأنه يعطي قوة في البدن وانشراحًا في الصدر، وبركة في اليوم .
خامسًا: الترهيب من ترك العمل
من طبيعة النفس أنها إذا ما خُوفت خافت، فإذا ما نجحنا في تذكير أنفسنا بخطورة ترك العمل الصالح أو التهاون في أدائه وما قد يترتب على ذلك من أضرار في الدنيا والآخرة ؛ فإنها ستدفعنا للقيام به .
يقول أحد الأصدقاء: توجد لوحة إرشادية على أحد الجدران الخارجية لمسجد يقع على طريق سريع، مكتوب عليها: نظرًا لكثرة حوادث العبور من الطريق السريع عليك باستخدام نفق المشاة..
ويستطرد قائلًا: كلما قرأت هذه اللوحة أجد نفسي تدفعني للعبور من النفق .
من هنا نقول: بأن من الوسائل المهمة لاستثارة مشاعر الرهبة والشعور بالخطر الدافعة للعمل: التذكير بخطورة ترك العمل الصالح، أو بخطورة الإقدام على فعل المعاصي .
وهنا الكثير من الآيات والأحاديث التي تتحدث في هذا الشأن .
ومن ذلك قوله تعالى في الترهيب من ترك الإنفاق: ﴿ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38] .
وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المنافقون: 9].
وقوله صلى الله عليه وسلم في الترهيب من عدم إتمام الصلاة: « أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته »، قالوا: كيف يسرق من صلاته ؟ قال: « لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها »
وقوله صلى الله عليه وسلم في الترهيب من الظلم: « اتقوا دعوة المظلوم ؛ فإنها تُحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأَنْصَرَنَّك ولو بعد حين »
سادسًا: التشجيع
من الحوافز ذات الأثر البالغ على النفس: استشعار المرء تقدير الآخرين له، فيؤدي ذلك إلى فتح منافذ الاستماع لهم، وزيادة الرغبة في القيام بما يطلبونه منه .
هذه الوسيلة ينبغي أن نستخدمها مع أنفسنا أو مع الآخرين في حدود ضيقة حتى لا تأتي بنتيجة عكسية وتتحول إلى صورة من صور المدح الذي يؤدي إلى استعظام المرء لنفسه، وشعوره بالأفضلية الذاتية على غيره .
والمتأمل في القرآن والسنة يجد مواقف عديدة استُخدمت فيها هذه الوسيلة في التحفيز للقيام بالعمل .
فعلى سبيل المثال: كثيرًا ما يتكرر في القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قبل التوجيه إلى العمل المطلوب .. هذا النداء فيه من التقدير والتشجيع ما يحفز النفس للقيام بالعمل .
وفي الخطاب الموجه لليهود نجد أن القرآن يناديهم بقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: يا أبناء النبي إسرائيل، فيكون هذا النداء بمثابة استدراج لهم لكي يستمعوا لما سيُتلى عليهم .
وتأمل قول الملائكة لمريم الصديقة: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42] فهذا لون من ألوان التقدير الخاص، ليأتي التوجيه في الآية التالية: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43].
وعندما أراد موسى - عليه السلام – أن يدخل ببني إسرائيل الأرض المقدسة ظل يحفزهم بهذه الطريقة قبل أن يطلب منهم هذا الطلب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾ [المائدة: 20، 21] .
وانظر إليه صلى الله عليه وسلم وهو يقول لمعاذ بن جبل: « يا معاذ: والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ لا تَدعَنَّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك »
ولك أن تتخيل وقْع كلمة: «يا معاذ: والله إني لأحبك» على نفس معاذ، وكيف سيستقبل الكلام بعدها ؟!
سابعًا: التذكير بالمواقف الإيجابية السابقة
فمن الوسائل التي تثير الهمة، وتدفع للقيام بالعمل: تذكر المواقف الإيجابية التي مرت بالمرء في حياته ولها علاقة بالعمل المراد القيام به في الحاضر، فعندما يجد المرء في نفسه تكاسلًا عن قيام الليل يُذَكِّر نفسه بيوم كذا وكذا عندما قام نصف الليل وكيف كان ذلك ممتعًا وسهلًا على نفسه، وعندما يستشعر عدم جدوى القيام بعمل ما نتيجة ضيق الوقت وقلة الإمكانات فعليه أن يُذَكِّر نفسه بمواقف إيجابية تعرض لها من قبل وكانت الظروف أشد، ومع ذلك أكرمه الله بالتوفيق والنجاح ..
تأمل قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 62، 63] .
في هذه الآيات تم التذكير بمواقف سابقة تجلت فيها قدرة الله وتأييده ليأتي التوجيه بعد هذا التذكير ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنفال: 64، 65] .
ثامنًا: المحاورة والإقناع والموازنة العقلية (تخيير النفس ):
عندما يقتنع المرء بأهمية وقيمة العمل المطلوب قيامه به ومدى نفعه له، فإن ذلك من شأنه أن يدفعه لأدائه بمشاعر الرغبة والاحتياج، وكذلك عندما يقتنع بخطورة وضرر العمل الذي يود فعله فإنه سيتركه بإرادته ..
من هنا تبرز أهمية الحوار والإقناع سواء كان بين المرء ونفسه، أو بينه وبين الآخرين .
ومن الضروري أن ينطلق الحوار من قاعدة مفادها أن «صلاحك لمصلحتك»، وأنك المستفيد الأول من قيامك بالعمل الصالح، وأنك – أيضًا – الخاسر من عدم قيامك به .
فالنفس لا تحب أو ترضى بفوات مصلحة تنفعها، أو الوقوع في ضرر يؤذيها، لذلك نجد القرآن يستخدم هذه الطريقة في الإقناع : ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ [الإسراء: 7] .
﴿ أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ ؟! ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾ [فصلت: 40].
﴿ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء: 15] .
﴿ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا * قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: 106، 107] .
﴿ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: 104] .
فهذه الآيات وغيرها تضع المرء في مواجهة مع نفسه، وتُشعره بالاحتياج الشخصي للعمل، وأنه الفائز إن عمله، والخاسر إن تركه ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: 20] .
وعندما طلبت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم التوسعة في النفقة نزل القرآن يحاورهن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28، 29] .
وتأمل الحوار الذي دار بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الشاب الذي أتاه يطلب منه أن يأذن له بالزنا :
فعن أبي أمامة قال: إن فتى شابًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ! ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه، مه ! فقال: « أدنه ».فدنا منه قريبًا. قال: فجلس. قال: « أتحبه لأمك ؟ »، قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: « ولا الناس يحبونه لأمهاتهم».قال: « أفتحبه لابنتك ؟ »، قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: « ولا الناس يحبونه لبناتهم ».قال: « أتحبه لأختك ؟ »، قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: « ولا الناس يحبونه لأخواتهم ».قال: « أتحبه لعمتك ؟ »، قال: لا والله، جعلني الله فداك.قال: « ولا الناس يحبونه لعماتهم ».قال « أتحبه لخالتك ؟ »، قال: لا والله، جعلني الله فداك.قال: « ولا الناس يحبونه لخالاتهم ».قال: فوضع يده عليه وقال: « اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه ».فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم ينهره أو يُوَبخه عندما طلب منه هذا الطلب المحرم، بل حاوره، ووصل به إلى القناعة التامة بأن هذا لا يصلح .
وهذا عبد الله بن رواحة عندما وجد في نفسه بعض التردد عند في معركة مؤتة، ظل يُحاورها، ويقول لها:
فعلينا أن نستخدم هذه الطريقة في التحفيز، وبخاصة عندما نجد في أنفسنا تكاسلًا عن أداء الأعمال .. فعلى سبيل المثال: عندما نسمع آذان الفجر، ونجد في أنفسنا خمولًا وتكاسلًا عن القيام، علينا أن نُحاورها ونتحدث معها بمثل هذه الكلمات :
.. لا بأس من النوم والراحة .. ولكن من سيدفع الثمن ؟ من المتضرر ؟
.. من الذي سيفقد بركة هذا اليوم ؟
.. من الذي سيبتعد عن ذمة الله في هذا اليوم ؟
.. وعندما نجد في أنفسنا شُحًّا بالمال، وعدم رغبة في الإنفاق، علينا أن نُحاورها ونُبيِّن لها حجم الخسارة التي ستعود عليها من ترك الإنفاق، وحجم المكاسب المترتبة على الإنفاق .
وعندما نجد أولادنا يتكاسلون عن أداء الصلاة أو أي عمل آخر علينا أن نستخدم معهم هذه الطريقة.
تاسعًا: التحفيز من خلال إبراز قدوة :
من طبيعة النفس أنها لا تُحب أن يسبقها أو يتميز عليها أحد، لذلك علينا أن نستثير مشاعر الغيرة، ونوجهها التوجيه الصحيح نحو القيام بالعمل المطلوب من خلال التذكير بأناس قاموا به وبغيره على أحسن وجه .
فتقول لنفسك قبل الإنفاق: تذكري فلان الذي كان يُنفق كذا وكذا، ولم يترك لنفسه إلا القليل ..
تذكري الصحابي عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى الذي لم يترك الصلاة في المسجد .
تذكري أبا بكر الصديق الذي أتى بماله كله لتجهيز جيش العسرة ..
والقرآن مليء بالآيات التي تُحفِّز المسلمين للقيام بالعمل الصالح من خلال ذكر نماذج بشرية قامت به خير قيام، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ﴾ [النحل: 120، 121]
﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146] .
والقدوة الحاضرة أقوى في التأثير في النفس من غيرها، فكما قيل: « عمل رجل في ألف رجل، أفضل من قول ألف رجل لرجل » .
وأيضًا: « إذا أردت أن تكون إمامي، فكن أمامي »، و « القدوة إمامة بلا إمارة » .
عاشرًا: القصة:
( للقصة دور بارز في تحريك المشاعر، وإبراز العواطف، وتثبيت الأفكار في الأذهان، فهي لا تحتاج إلى جهد كبير لنقل أفكارها إلى النفس .. لأن من شان النفس الإنسانية إذا مرَّت بحدث من الأحداث أن تتفاعل معه .
كما لا يخفى ما للقصة من دور في التأثير على نفوس المخاطبين بها، إذ لا تنتهي القصة إلا ويكون المستمع أو القارئ أو المشاهد قد عاش في تجربة نفسية، وقطع رحلة طويلة بحسب طول القصة، تترك في النفس آثارًا وجدانية وروحية)، وأصبح مهيئًا أكثر وأكثر للقيام بما تدل علي القصة .
فعلى سبيل المثال:
عندما نقرأ حديث « إنما الأعمال بالنيات »، فهو بلا شك يُذكرنا بأهمية الإخلاص لله عز وجل، لكننا نجد أنفسنا أكثر تأثرًا ورغبة في الإخلاص عندما نقرأ القصة التي ذكرها الرسول عليه الصلاة والسلام عن الثلاثة الذين كانوا في سفر فدخلو غارًا يستريحون فيه، فانطبقت عليه صخرة، فدعوا الله بإخلاص، وتذكروا أعمالًا يظنون أنهم كانوا فيها من المخلصين حتى تزحزحت الصخرة فخرجوا من الغار سالمين .
.. لذلك من المناسب تذكير أنفسنا بقصة مؤثرة لها علاقة بالعمل الصالح الذي نود القيام به، وبخاصة مع تلك الأعمال التي ألِفْنا القيام بها فأصبحت تؤدى بلا روح .
الشيخ الجليل مجدي الهلالي
| < السابق | التالي > |
|---|












