Get Adobe Flash player
Facebook Twitter Google Bookmarks RSS Feed 

إن فلاح وفوز ونجاح جميع الإنس والجن هو فقط في إمتثال أوامر الله عز وجل، على طريقة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

ونؤكد لأنفسنا وللجميع أن النت أو القراءة هي حوافز وتعليم ولا تغني عن تحريك الأقدام ومفارقة الأهل والأوطان لإعلاء كلمة الله فينا وفي العالم

فهكذا يتم تحصيل ونشر الدين

 

لعلك يا أخي تساءلت كما تسائلنا: لماذا يحدث لنا هذا كله؟

لماذا تتكاثر الجراح وتزداد في جسد أمتنا عاماً بعد عام؟

أين أثر الدعاء الذي ندعوه ليل نهار؟! لماذا يتركنا الله هكذا تستباح حرماتنا وينتهك شرفنا؟

أليس هو القائل – سبحانه – ] وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [ [النساء: 141] فلماذا سمح لهؤلاء الكفار بأن يذيقوننا سوء العذاب؟!

لماذا لم يكف بأسهم عنا وهو القادر المقتدر.. ألم يقل سبحانه ] وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [ [الرعد: 11].

 لماذا يتركنا فريسة للآخرين يفعلون بنا ما يريدون.. يذبحون أبنائنا ويستحيون نسائنا ويهدمون بيوتنا.

أسئلة كثيرة يتساءلها المسلمون هنا وهناك ويريدون لها إجابة.. فبماذا أجاب القرآن، وهو كما قال عنه عز وجل: ]لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [ [الأنبياء: 10].

 

لقد خلق الله عز وجل الإنسان واختصه لنفسه، ونفخ فيه من روحه، وأعد له الجنة لتكون له داراً، وأسكنه الأرض ليؤدي فيها امتحان العبودية له، فإذا ما نجح فيه عاد إلى داره ليستمتع فيها بالنعيم الذي لا يمكن لعقل أن يتخيله.

 ومع أن كل ما في الحياة من أحداث يدل على أن هناك نهاية للوجود في الأرض، وأنها ليست دار مقام، وأن الآخرة خير وأبقي، إلا أن الإنسان يغفل كثيراً عن هذه الحقائق وينشغل بتحصيل شهواته، والاستمتاع بها دون النظر إلى ما ينبغي أن يفعله لكي يفوز بالجنة.

و لأن الله عز وجل يريد لعباده الخير والنجاح في امتحان الدنيا، فإنه سبحانه وتعالى يصبر ويحلم عليهم، ويفرح بتوبتهم، على الرغم من المخالفات الجسيمة التي يرتكبونها، والأوامر التي لم يفعلوها، والأمانات التي ائتمنهم عليها فضيعوها، ولما لا وقد وصف نفسه بأنه الرؤوف الرحيم ] إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [[البقرة: 143].  يريد أن يتوب على الجميع ] وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عليكمْ [ [النساء: 27] .. ينتظر استغفار عباده ليغفر لهم، ويفرح بندمهم على ما ارتكبوه من مخالفات ليعفو عنهم ويتوب عليهم..

 يريد منهم أن يفعلوا أي خير ليرفع به درجاتهم ] وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا [ [الشورى:23]. تأمل معي ما فعلته بني إسرائيل من طغيان، واقترفته من كبائر الذنوب، ومع ذلك كان سبحانه وتعالى حريصاً على توبتهم وعودتهم إليه .. يقول لهم: ] وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ [[البقرة: 58] .. قولوا هذه الكلمة فقط لكي أعفو عنكم!! ولكنهم أبوا ذلك ورفضوا المنحة والفرصة العظيمة للعفو والصفح.

الهدايا الإلهية:

ومن الصور العجيبة لتودد الله عز وجل لعباده وحبه لهم وحرصه على مصلحتهم وعلى دخولهم الجنة، تلك المنح والهدايا التي يرسلها لهم كل فترة لتكون لهم بمثابة الأمل والحافز لتعويض ما فات والتشمير للحاق بركب المؤمنين السائرين إليه، وإلى جناته.

ومن هذه المنح والهدايا: يوم عرفة، فمن صامه غُفر له ذنوب عامين، ومن استطاع أن يكون في أرض عرفة في هذا اليوم غُفرت كل ذنوبه وأصبح كما ولدته أمه بلا ذنوب وخطايا.

ومن هذه المنح الإلهية: يوم عاشوراء فمن صامه غُفرت له ذنوب عام كامل..

أما أجّل المنح والهدايا الإلهية للعباد فتتمثل في شهر رمضان، حيث يتجلى فيه حب الله العجيب لعباده وحرصه على عودتهم إليه، واصطلاحهم معه، على الرغم مما أحدثوه من تفريط في جنبه، وتضييع لأوامره سبحانه، فكل فريضة يؤديها العبد في هذا الشهر كسبعين فريضة فيما سواه .. من صام نهاره وقام ليله غفرت ذنوبه..

.. في كل ليلة من لياليه عتقاء يعتقهم الله من النار.

ومع كل ما تقدم فإن الكرم والجود الإلهي لا يتوقف عند هذا فقط، بل يتجلى بصورة عجيبة في ليلة القدر، وهى ليلة - كما نعلم - من ليإلى العشر الأواخر من رمضان .. في هذه الليلة يمنح الله عز وجل من يحييها بالعبادة عطية لا يمكن تصديقها، ألا وهي ثواب يكافئ ثواب من عبد الله ألف شهر بل يزيد] وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ[ [القدر3:2] .

فماذا تقول بعد ذلك لإلهنا الرحيم الودود الجواد الكريم؟

 وماذا ينبغي أن نفعله تجاه هذه المنحة والعطية والفرصة العظيمة للعفو ونيل الرضا والعتق من النار؟!

.. هل نتركها تمر دون أن نغتنمها ونعود من خلالها إلى الله؟!

أي شخص هذا الذي يظلم نفسه ويحرمها من هذه الفرصة العظيمة!!

.. من هنا يتضح لنا معنى حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم: «رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له..»

فمن لم يعمل في رمضان فمتى سيعمل، ومن لم يغفر له في رمضان في ظل أجواء العفو والمغفرة والمنح الإلهية فمتى إذن سيغفر له؟!

رمضان والروح الجديد:  

أخي الحبيب.. كأني بك أسمع شكواك من نفسك وأنك كلما هممت بفعل الخير أقعدتك تلك النفس، وكلما أردت ترك المعاصي لم يطاوعك هواك.

.. نعم، تلك هي شكوانا جميعاً ، وإن اختلفت صورها، ونحتاج بلا شك إلى روح جديد تبث فينا وتعيننا على جهاد أنفسنا ومقاومة أهوائنا، وتدفعنا لفعل الخيرات.

.. هذه الروح من الصعب توافرها في سائر أيام العام بسبب الانشغال بالدنيا ومغرياتها، وكذلك بسبب العمل الدؤوب للشياطين في إضلال الناس وإغفالهم عن المهمة التي خُلقوا من أجلها، أما في رمضان فالوضع يختلف: الشياطين مصفدة، والأجواء مشبعة بالقرآن والذكر والفرصة سانحة لعودة الروح، وزيادة الإيمان وقهر الهوى .. فليس لدينا إذن ما نقوله بعد ذلك.

 ما علينا إلا أن نحسن استقبال هذا الشهر بالشكل الذي يليق بقدره.. وعلينا دائماً أن نتذكر بأنه .. ] أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [.

حاجة الأمة إلى رمضان..

إن كان رمضان فرصة عظيمة لعودة الفرد إلى ربه، وتجديد عهده معه، واستقامته على أمره، فرمضان كذلك فرصة هائلة لتغيير الأمة وإخراجها من المأزق العصيب، والنفق المظلم الذي تسير فيه منذ عدة عقود.

الأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى مشروع تلتف حوله، وتعيد من خلاله بناء عزها ومجدها السليب. وهنا تظهر القيمة العظيمة لشهر رمضان لو أحسنت الأمة التعامل معه.

فإن قلت وما علاقة رمضان بنهضة الأمة: كانت الإجابة – بعون الله وفضله – في الأسطر القادمة.

أرأيت ما نزل بساحتنا؟!

أخي: ماذا كان يجول في خاطرك وأنت تري صور الغارات الصهيونية على رفح وغزة وما خلفته من دمار ودماء وشهداء.

لعلك قد رأيت على شاشة التلفاز: الجرافات وهي تهدم بيوت إخوانك المسلمين في فلسطين.

هل رأيت – مثلما رأينا – تلك المرأة العجوز وهي تجلس خارج بيتها تبكي وتولول وتنظر بأسى إلى حطام بيتها؟!

 هل رأيت جنود الأعداء وهم يقومون بإذلال الناس وتفتيشهم والتضييق عليهم؟!

أظنك كنت في ضيق شديد وأنت تري هذا كله، وترى كذلك آلات الذبح وهي تعد أمامنا للقضاء على المسلمين، ومحو هويتهم والإفساح للمشروع الصهيوني ليهيمن على مقدراتنا.

وكأني أشعر بك وأنت ترى نفسك مكبل اليدين لا تستطيع أن تفعل شيئا لإخوانك المسلمين المضطهدين في العديد من بلدان العالم.

لماذا نحن؟!

لعلك يا أخي تساءلت كما تسائلنا: لماذا يحدث لنا هذا كله؟

لماذا تتكاثر الجراح وتزداد في جسد أمتنا عاماً بعد عام؟

أين أثر الدعاء الذي ندعوه ليل نهار؟! لماذا يتركنا الله هكذا تستباح حرماتنا وينتهك شرفنا؟

أليس هو القائل – سبحانه – ] وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [ [النساء: 141] فلماذا سمح لهؤلاء الكفار بأن يذيقوننا سوء العذاب؟!

لماذا لم يكف بأسهم عنا وهو القادر المقتدر.. ألم يقل سبحانه ] وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [ [الرعد: 11].

 لماذا يتركنا فريسة لإخوان القردة والخنازير يفعلون بنا ما يريدون.. يذبحون أبنائنا ويستحيون نسائنا ويهدمون بيوتنا.

أسئلة كثيرة يتساءلها المسلمون هنا وهناك ويريدون لها إجابة.. فبماذا أجاب القرآن، وهو كما قال عنه عز وجل: ]لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [ [الأنبياء: 10].

القرآن يجيب:

أفاض القرآن في الإجابة عن تلك الأسئلة التي تموج في أذهاننا، وبيّن لنا بما لا يدعو مجالاً للشك أن هناك سنن وقوانين تحكم هذه الحياة، من استوفى شروطها طبقت عليه، فمن يرد السعادة فطريقها قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ [طه : 123] ومن يترك طريقها يطبق عليه قانون المعيشة الضنك  ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه : 124] .

فإذا ما بحثنا عن القوانين والسنن التي تجلب لنا العقوبات فسنجدها كثيرة، وتدور أسباب استدعائها حول تقصير العباد في حق ربهم، وارتكابهم ما يغضبه، كقوله تعالى ﴿ وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾[النحل: 94] وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [الأنفال: 51] وقوله ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: 165].

 فما يحدث لنا من ذل وهزائم، ما هي إلا عقوبات إلهية نعاقب بها كنتيجة طبيعية لما أحدثناه من تضيع لأوامر الله، وفعل ما يغضبه، ولا ينبغي لمن وقع في المخالفة أن يستغرب العقوبة، فإن كنت في شك من هذا فانظر إلى مظاهر الفسق والفجور والعصيان التي تمتلئ بها شوارعنا، وانظر إلى ما تبثه الفضائيات ليل نهار من فحش ورزيلة.

... نتعامل بالربا، والرشوة، والغش، والظلم.

... نتقاعس عن نصرة المستضعفين من المسلمين في كل مكان ..

... فهل تظن بعد ذلك كله أن ينصرنا الله عز وجل ..

هل تظن أن يحمينا الله من بطش أعدائنا ونحن قد تركنا دينه، وخنا أمانته؟!

 أصابنا الوهن:

لقد كنا في الماضي أقوى أمة على ظهر الأرض .. كان الكل يعمل لنا ألف حساب، ثم تراجعنا شيئاً فشيئاً إلى الوراء، أصبحنا في ذيل الأمم.. أتدري لماذا؟

يجيب عن التساؤل رسول الله صلي الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ثوبان عنه صلى الله عليه وسلم  قال: «يوشك أن تتداعي عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: أو قلة نحن يومئذ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن» فقال قائل: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت».

 ألا توافقني - أخي - أن الحديث ينطبق علينا، وأن الله عز وجل قد تركنا لأعدائنا بسبب ما أحدثناه؟

ألا ترى أننا جميعا نتحمل مسئولية ما حدث ويحدث لنا؟

ألم يتمثل فينا قوله صلي الله عليه وسلم «إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد : سلط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»[3].

 إذن فلقد سلط الله علينا أعداءنا وجعلهم بمثابة الأداة التي نؤدب بها كنتيجة طبيعية لانحرافنا عن منهجه، وتعلقنا بالدنيا وتنافسنا عليها.

البداية:

فإن كان هذا هو التشخيص الحقيقي للوضع الحالي الذي تعيشه أمتنا، فإن نقطة البداية التي ينبغي أن نبدأ بها تنطلق من تغيير كل الأوضاع التي تغضب الله عز وجل كما فعل قوم يونس عليه السلام: ]فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ[ [يونس: 98].

 ولنعلم جميعا أنه مهما حدث للأمة من ذل وهوان أكثر مما يحدث الآن، ومهما اشتد الظلام فلن يغير الله ما حاق بنا إلا إذا بدأنا نحن بتغيير ما بأنفسنا .. ألم يقل سبحانه: ] إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ[ [الرعد: 11] لا بديل - إذن - عن نصرته – سبحانه – على أهوائنا وشهواتنا إن أردنا نصرته لنا ] إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [ [محمد: 7].

لا مناص أمامنا من طرد الدنيا من قلوبنا، وأن يكون الله ورسوله أحب إلينا من زوجاتنا وأبنائنا وآبائنا وأمهاتنا وأموالنا وعقاراتنا وإلا فستستمر العقوبة.

] قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [ [التوبة: 24].

لا بديل إذن عن هجر المعاصي، والمسارعة في الخيرات والتنافس في أعمال الآخرة.

لا بديل عن الفرار إلى الله والعمل على استرضائه.

.. لا بديل على أن نكون من أوتاد المساجد، وفي الصفوف الأولي في الصلاة.

.. لا بديل على أن نكون مستيقظين في ثلث الليل الأخير صافين أقدامنا في محاريب الصلاة نبكي ونتذلل لله عز وجل .. نسترضيه، ونستعطفه ونطلب منه المغفرة والفرج والنصر.

 

 

الجسد الواحد:

واعلم يا أخي بأن كونك لا تفعل ما يغضب الله، فإن ذلك لا يعفيك من المسئولية، فأمتنا كالجسد الواحد إذا مرض منه عضو أصبح كله مريضاً، فلا يكفي صلاحك الفردي، بل لابد وأن يصاحب ذلك صلاح الأمة.

.. معني ذلك أن عليك إيقاظ النائمين، وإعادة الشاردين إلى الله.

عليك، وعليّ وعلى الجميع أن يوقفوا حياتهم للدعوة إلى الله، وأن يرفعوا شعار «وا إسلاماه».

.. علينا أن نقلل من اهتمامنا بالدنيا وبالمستقبل وبالأولاد، وأن نستشعر دوماً الخطر المحدق بنا، والذي يستدعي سرعة التحرك لمنع وصوله إلينا، بل ودحره عن أماكن نفوذه وتخليص إخواننا منه.

 .. علينا أن نقيم دولة الإسلام في قلوبنا وبيوتنا، ليقيمها الله لنا في أرضنا كنتيجة طبيعية للجهد الذي سنبذله في هذا المضمار – كما وعدنا سبحانه بذلك.

لا أستطيع:

فإن قلت: إنني مقتنع تمام الاقتناع بهذا كله لكنني لا أستطيع القيام به ..

.. أريد أن أصلي الفجر في المسجد ولا أقدر على ذلك.

.. أريد ترك مشاهدة الأفلام والمسلسلات ولا أستطيع ذلك.

.. أتمني ترك الغيبة والنميمة والحسد، وعدم حب الخير للأخرين ولا أستطيع.

.. أتمني أن تسمو اهتماماتي وتزداد رغبتي في الآخرة ولا أقدر على ذلك.

.. أريد أن أكف عن الحديث عن نفسي والمباهاة والافتخار بما عندي فلا تطاوعني نفسي.

.. أريد أن أنفق وأتصدق على الفقراء والمساكين بالليل والنهار ولا أستطيع.

.. أريد أن أبكر في الذهاب إلى المسجد، وإلى صلاة الجمعة ولا أستطيع.

.. أريد أشياء كثيرة ولا أستطيع فعلها، فأنا لا أجد همة وقوة دافعة.

 كلما عزمت على ترك المعاصي وهجرها، أجد مقاومة عنيفة من نفسي، وتكون النتيجة الدائمة هي الهزيمة أمامها.

لا أجد روحاً تجعلني أسعى إلى الآخرة، وأسارع إليها وأتجافى عن الدنيا ولا أتشبث بها ..

 فما الحل؟!

.. نعم يا أخي، كلنا يشكو من ضعف الهمة وغياب الروح .. كلنا يشكو من أن أقواله أحسن من أفعاله وعلانيته خير من سريرته.

الكثير منا لا يرضى عن أمور كثيرة تحدث في بيته لكنه لا يجد القوة الدافعة لتغييرها.

.. كلنا يتساءل معك، فما العمل إذن؟ وبخاصة أن أوضاعنا تسوء يوما بعد يوم، وأعداؤنا متربصون بنا، فبالأمس البعيد كانت فلسطين، وبالأمس القريب كانت العراق، واليوم السودان، ولا ندري من سيكون عليه الدور في الغد.

روح جديد:

معني ذلك أن المطلوب هو روح جديد تسري في النفوس، تولد فيها الطاقة وتدفعها لتغيير ما بها، وفعل كل ما يرضي الله.

لابد من روح جديد توقظنا من سباتنا، وتنتشلنا من جواذب الأرض والطين، وترفع رؤوسنا إلى السماء.. فأين هي تلك الروح؟ وكيف يمكن تحصيلها؟ أين هو هذا الدواء الذي سيعيد لنا عافيتنا ويصحح اعوجاجنا، ويغير كل ما يغضب الله فينا؟!

ولأن الله عز وجل هو الذي خلقنا، ويعلم كل شيء عنا، ويعلم أمراضنا، والسبيل الصحيح لعلاجها، فلا بد وأن يكون هناك دواء يعالج تلك الأمراض، ولم لا وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم بأن الله عز وجل ما أنزل من داء إلا أنزل معه الدواء الذي يقضي عليه، إلا الهرم أو الشيخوخة.

معني ذلك أن هناك دواء شافياً يقضي على أمراضنا ويعيدنا إلى حظيرة العبودية لله عز وجل .. فما هو هذا الدواء؟!

إنه القرآن:

يخبرنا الله عز وجل في كتابه بأنه أنزل دواء لكل ما قد يعاني منه المسلم من أمراض ..

 أنزل دواء يقوّم به المعوج من السلوك والتصورات والاهتمامات .. يشفي القلوب ويزكي النفوس ويدفع للاستقامة.

أتدرون ما هو؟! إنه القرآن ] إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [   [الإسراء: 9] .

..نعم، القرآن ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ[ [يونس: 57].

إنه الوصفة الإلهية لعلاج أمراض الأمة ] قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [ [فصلت: 44] .

ولم لا، وقد وصفه العليم الخبير بأنه روح ] وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [ [الشورى: 52].

فإن كنت في شك من قدرة القرآن على التغيير فتأمل معي قوله تعالى: ] لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ [الحشر: 21].

دواء مجرب:

ومما يزيدنا يقيناً في قدرة القرآن على تغييرنا وإعادة صياغتنا وتشكيلنا لنكون من خلاله قوما صالحين، أن هناك قوماً استخدموه، وأحسنوا التعامل معه، فغيرهم وجعل منهم جيلاً فريداً تفخر به البشرية حتى الآن.. ذلكم هو جيل الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا قبل إسلامهم أمة غريبة تغرق في الجاهلية، لا يقيم لها الآخرون وزناً، وإن شئت فقل إنهم كانوا في مؤخرة الأمم، وكانوا أسوأ حالاً مما نحن عليه، ومع ذلك فقد استطاع القرآن أن يغيرهم ويقومهم، ويشفيهم، ويخرج منهم أمة جديدة، هاماتها إلى السماء، فكان الوفاء السريع من الله لهم فنصرهم على أعدائهم وأورثهم الأرض وملكهم ممالكها، فانتقلوا من مؤخرة الأمم إلى مقدمتها وذلك في سنوات معدودات.. فماذا تقول بعد ذلك عن القرآن ] أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [    [العنكبوت: 51].

القرآن هو الحل :

يقيناً – أخي الحبيب – أن القرآن الذي بين أيدينا قادر على تغييرنا تغييراً جذرياً وإعادة صياغتنا من جديد لنكون كما يحب الله عز وجل في القول والفعل، والسر والعلن، ولم لا وهو الدواء الرباني الذي أنزله الله عز وجل ليكون كتاب هداية، وشفاء، وتقويم، وتغيير لكل من يحسن التعامل معه ] قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ [المائدة: 15،16].

.. يقيناً – أخي الحبيب – أن القرآن الذي بين أيدينا هو الذي سيعيد لنا الأقصى وفلسطين والعراق و.... ، سيعيد لنا العزة والمجد، وسينقلنا من ذيل الأمم إلى مقدمتها مرة أخرى لو أحسنا التعامل معه وأعدنا تشغيل مصنعه، وتفعيل معجزته. ولنعلم جميعا بأن الجيل الموعود بالنصر والتمكين لا يمكن أن يتخرج إلا من مدرسة القرآن كما حدث مع الجيل الأول.

وغني عن البيان أن الحديث عن القرآن يشمل السُّنة بالتبعية، فالسنة تشرح القرآن وتُبين ما أُجمل فيه.

القرآن ينتظر:

أخي ....

إن أدوات التغيير القرآني جاهزة لتغييري وتغييرك، وتغيير أي شخص يحسن التعامل معها، وكيف لا، والقرآن يتعامل مع جميع مكونات الإنسان من عقل وقلب ونفس، فيبنى اليقين الصحيح في العقل ويزيد الإيمان في القلب، ويطرد منه الهوى وحب الدنيا..

.. القرآن يفجر الطاقات داخل نفس من يقبل عليه بكيانه، ثم يلح عليه في تفريغ هذه الطاقات في مجالات الخير المختلفة؛ مع نفسه ومع أهله ومع المجتمع .. فتجد أهل القرآن، المنتفعين به هم أكثر الناس إنتاجا في عمل الخير.

.. والقرآن يعرّف صاحبه بربه معرفه يقينية فتتحسن تبعاً لذلك معاملته له سبحانه، فالمعاملة  على قدر المعرفة، لذلك ترى أهل القرآن الحقيقيين هم أكثر الناس حبا لله، وتشوقاً إليه، وإخلاصاً له، وتوكلاً عليه، واستعانة به، وخوفاً منه..

.. والقرآن يربط صاحبه بالآخرة، ويرغبه فيها، ويحببه في الجنة، ويدفعه للتشمير نحوها.

.. سيجعلنا القرآن دوماً نحذر من أنفسنا فنكف بذلك عن تزكيتها أو نسبة الفضل لها، بل يجعلنا ننسب أي خير يصيبنا لله عز وجل، وأي شر نقع فيه لأنفسنا.

.. والقرآن سيحطم داخلنا جدار الخوف.. الخوف على الرزق، والمستقبل، والأولاد، وسيصغر الدنيا في أعيننا، لأنه يضعها دائماً في حجمها الطبيعي. ] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [  [الكهف: 45]

والقرآن .. سيعمل في اتجاهات كثيرة داخل النفس البشرية ويقوم بتغيير ومحو كل ما لا يحبه الله فيها.

دواء يصلح للجميع:

ومع هذا كله فالتغيير القرآني لا يحتاج إلى أدوات يصعب توافرها، بل من عجائبه أنه ميسر للجميع، في كل زمان ومكان.. لو قرأه رجل أو امرأة..عالم أو جاهل .. صغير أو كبير.. لو قرأه أي نوع من البشر، وأحسن التعامل معه وتأثر به فسيحدث له التغيير المطلوب.

فإن قلت وكيف يكون هذا، أليس الأكثر علماً هو الأكثر انتفاعاً بالقرآن؟!

لو تعاملنا مع القرآن على أنه كتاب ثقافة ومعرفة لكان الأكثر علماً بالفعل هو الأكثر انتفاعاً به، ولكن كما تبين لنا أن القرآن بالأساس كتاب تغيير وتقويم، ولكي يحدث ذلك لابد من التأثر بآياته وتحرك القلب معها، وهذا لا يشترط له فهم عميق أو علم غزير، فقد يفهم شخص ما آية بفهم محدود لكنه يتأثر بها تأثراً عظيماً، وقد يفهم آخر نفس الآية بفهم عميق ولكن دون تأثر .. فالأول بلا شك هو الذي سينتفع بالقرآن ويزداد به إيمانا، أما الثاني فسيزداد به فقط معرفة تظل حبيسة في عقله دون أن يكون لها أثر في سلوكه لأنه لم يتجاوب معها بقلبه.

إن التأثر القلبي متاح أمام الجميع، وهو مفتاح التغيير القرآني، وبدونه لن يحدث التغيير المطلوب.. هذا التأثر لا يستلزم ثقافة معينة أو فهماً عميقاً، بل يستلزم انفعال القلب مع ما تدل عليه الآيات حتى وإن كان مقدار فهم صاحبها لها محدوداً.. تأمل معي ما حدث للأعرابي الذي كان في مجلس رسول الله صلي الله عليه وسلم فاستمع منه إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]، فقال: يا رسول الله، أمثقال ذرة؟ قال: «نعم». فقال الأعرابي: واسوأتاه، ثم قام وهو يقولها، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان»

لماذا لا يغيرنا القرآن؟

فإن قلت، ولكنى أقرأ القرآن وأختمه مرات ومرات، بل وأحفظ بعضه أو كله، والمذياع عندي ينطلق بالقرآن  ليل نهار، ومع ذلك فإني لا أشعر بما ذكرته عن جوانب التغيير القرآني، فما زلت لا أجد همة ولا روحاً تدفعني للرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا، والمسارعة إلى فعل الخيرات، والانطلاق بالدعوة إلى الله.

.. نعم، هذه شكوى تكاد تكون عامة، وسببها أننا نتعامل مع القرآن كمصدر للأجر والثواب واستجلاب البركة فقط، ولا نتعامل معه على حقيقته التي أنزله الله من أجل تحقيقها وهي أنه كتاب تغيير وتقويم وهداية وشفاء.

إننا وللأسف الشديد – قد أدرنا ظهرنا للقيمة الحقيقية للقرآن، وحصرنا الانتفاع به في لفظه فقط.

من هنا يتبين لنا أننا إذا ما أردنا الانتفاع الحقيقي بالقرآن، وبقدرته الفذة على التغيير فلا بد من تعامل آخر معه..

لابد من تعامل جديد ينطلق من احتياجاتنا الماسة إلى تغيير الوضع المأسوي الذي نعيشه، وتعيشه أمتنا منذ عشرات السنين.

كيف ننتفع بالقرآن ؟

إذن فنقطة البداية للتغيير تنطلق من استشعار حاجتنا إلى القرآن،  وهذا - إن تحقق - سيدفعنا للانشغال به، ودوام الإقبال عليه، وعدم تركه ولو يوماً واحداً، وكيف لا وكل يوم يتعرض المرء لفتن وشهوات يحتاج أمامها إلى زيادة في الإيمان تُقَوِّي قلبه وتعينه على مقاومة ما يتعرض له.

ومع الانشغال اليومي، والمداومة على اللقاء المتكرر بالقرآن، لا بد أن تكون قراءته بفهم، وأن نعي ما نقوله، مع الصوت المسموع والترتيل، والقراءة الهادئة التي تبحث عن مواضع التأثر ولا تبحث عن كم القراءة.

و لنعلم جميعا أن التأثر والتجاوب مع القراءة هو الذي يزيد الإيمان ويفجر الطاقات ويطرد حب الدنيا من القلب، لذلك علينا أن يكون هدفنا من القراءة: متى سأتأثر؟ ولا يكون هدفنا متى سأختم السورة؟ فآية واحدة نفهمها - ولو فهمًا إجماليًّا - ونتأثر بها فتزيد الإيمان في قلوبنا خير من ختمة كاملة بلا فهم ولا تأثر.

و لأن التأثر لا يمكنه أن يحدث دون فهم للمقصود من الآيات، فلابد أن نفهم ما نقرأ ولكن دون تعسف، وأن نترك ما يستشكل علينا ونأخذ المعنى  الإجمالي من الآيات، ولا بأس من العودة إلى التفسير لفهم ما صعب علينا فهمه ولكن في وقت أخر غير وقت قراءة القرآن حتى لا تنقطع صلة مشاعرنا بالآيات، ومن ثم يتأخر حدوث التأثر والتفاعل الذي ننشده.

ترديد الآية التي تؤثر في القلب :

وعندما يحدث التأثر بأية من الآيات فعلينا الاستفادة القصوى بذلك.. لماذا؟ لأن التأثر معناه دخول نور هذه الآية إلى القلب، واختراقه لغلافه، وهزه للمشاعر، مما يزيد الإيمان ويقلل الهوى في القلب، ويفجر الطاقات.. فعلينا استثمار تلك اللحظات، والعمل على دخول أكبر قدر من النور إلى القلب، وذلك من خلال ترديد الآية التي تؤثر فيه.. هذا الترديد لا يوجد له حد أقصى من العدد، فطالما وجد التجاوب استمر الترديد، فإذا انقطع التجاوب انتقلنا إلى ما بعدها من آيات.. ولقد كان هذا هو هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام .. كان أحدهم يردد الآية في قيامه لليل حتى يصبح.

.. معنى ذلك أننا قد لا نقرأ الكم الذي حددناه لأنفسنا.. نعم، قد يحدث ذلك، ولكن مع حلاوة الإيمان والتغيير الذي سنستشعره من خلال لقائنا بالقرآن سندرك القيمة الحقيقية لهذا الكتاب، بل وسنندفع متلهفين إلى طول الجلوس معه، ومن ثم ختمه في مده قصيرة، ولكن دون وجود سيف على رقابنا يدفعنا لسرعة القراءة حتى نتمكن من إنهاء الورد..

وحبذا لو جعلنا وردنا زمناً لا كماً، ولنبدأ بساعة - على الأقل - كل يوم، نجلسها في مكان هادئ بعيداً عن الضوضاء.. نقرأ ونرتل ونفهم ونتأثر ونبكي، وندعو الله عز وجل من خيري الدنيا والآخرة.

ساعة واحدة!!

يقيناً، لو داومنا على لقاء القرآن ساعة واحدة – على الأقل- كل يوم، وجعلنا شعارنا فيها: «أن أفهم ما أقرأ وأتأثر به».. يقينا سنشعر بتغيير تقر به أعيننا، وتنشرح له صدورنا مع كل لقاء مع القرآن.

سنشعر شيئا فشيئا بروح جديد تدب فينا، وطاقة تتولد داخلنا تدفعنا لهجر المعاصي، وفعل الطاعات، وصله الأرحام، والإنفاق في سبيل الله، والدعوة إليه، و...

.. بهذه الساعة سيعظم قدر ربنا عندنا ويصبح أحب وأعز علينا من كل شيء، وستصغر أنفسنا ودنيانا في أعيننا، وسنزهد في الناس.

 .. بهذه الساعة سنعرف معنى الإيمان، وسندرك حقيقته وحلاوته وسنأنس بالله، وسيزداد شوقنا إلى لقائه.

 .. بهذه الساعة سنشعر بالسكينة والطمأنينة والحياة السعيدة.

..بهذه الساعة سيزداد إنتاجنا في محيط الدعوة، وستتولد داخلنا الذاتية والإيجابية التي نبحث عنها منذ زمن طويل.

فهل سنداوم – أخي – على هذه الساعة..

ما الذي ينقصني وإياك للمداومة عليها، وبالطريقة التي تم بيانها؟

فلنبدأ من الآن ولنسأل الله عز وجل التيسير والإعانة.

إياك ثم إياك :

إياك يا أخي أن تداوم على هذه الساعة ثم تجعلها في وقت أنت فيه مجهد فلا يمكنك أن تفهم ما تقرأ..

إياك أن تكون هذه الساعة وأنت بين ضجيج الأصوات..

إياك أن يكون همك فيها الانتهاء من أكبر قدر من الآيات.

إياك أن يكون همك التعمق في المعنى دون التأثر به، بل اقرأ ببساطة وسلاسة، واجعل الآيات تنساب داخلك، ويتصاعد تأثيرها عليك شيئاً فشيئاً وانتظر بعد ذلك اللحظات السعيدة .. لحظات التأثر وتحرك القلب.. عض عليها بالنواجذ، ولم لا وهي لحظات التغيير.

وإن استطعت أن تجعل الساعة ساعتين أو ثلاث فأنت السابق حقاً.. وإن استطعت أن تخصص وقتاً أخر للقائك مع القرآن في صلاة الليل فلا تسل عن المعاني التي ستتولد لديك، ولا الإيمان الذي سيزداد في قلبك ولا جمال العبودية التي ستعيش في ظلالها.

رمضان والروح المفقودة:

فإن قلت ولكنني لا أجد همة تدفعني لأن أبدأ وأداوم على قراءة القرآن ساعة كل يوم.

المطلوب إذا هو نقطة انطلاق، وقوة دافعة تنطلق بها رحلتنا المباركة في  العودة إلى الله من خلال القرآن.

.. من هنا تبرز قيمة شهر رمضان ودوره العظيم في استثارة الهمم، وإخراج الناس من حالة الفتور التي تنتابهم وتقعدهم عن العمل.

فمهما كانت همتنا ضعيفة إلا أنها في رمضان تقوى وتشتد.

فلتكن إذا بدايتنا الجديدة مع القرآن في رمضان، ولنستفد بهذا الشهر في عودة الروح لنا من خلال القرآن.

ولكن إياك أن تتعامل مع القرآن كما كنت تتعامل سابقاً.. إياك أن يكون همك في رمضان عدد الختمات التي ستختمها فيه، فلقد ختمناه قبل ذلك عشرات المرات.. فماذا تغير فينا؟

الميلاد الجديد:

أخي ..

ليكن رمضان هذا العام هو ميلادنا الجديد، وليكن إقبالنا هذا العام على القرآن غير إقبال السنوات الماضية.  

أخي ..

تخيل لو أننا استثمرنا همتنا في رمضان وتفرغنا للعبادة فيه، وجعلنا جُل أوقاتنا لقراءة القرآن بالطريقة التي تم بيانها..

تخيل لو جلسنا في رمضان مع القرآن ساعتين وثلاث وأربع..

هل تدرك حجم التغيير الذي يمكن أن يحدث لنا نتيجة ذلك؟

ستكون بلا شك ولادة جديدة لقلوبنا، وصلة قوية بالله عز وجل، وحلاوة للإيمان لم نذقها في حياتنا من قبل.

فلنبدأ من الآن، ولننتهز الفرصة المتاحة أمامنا قبل أن يحال بيننا وبين هذا الكنز العظيم.

.. لننتهز الفرصة قبل أن نندم يوم لا ينفع الندم.

سريان الروح في الأمة:

وبعد أن نتذوق حلاوة الإيمان في القرآن، ونشعر بالتغيير الذي سيحدث لنا - بمشيئة الله - .. علينا أن ندل كل من حولنا على الكنز الذي وصلنا – بفضل الله – إليه .. فندعو آباءنا وأمهاتنا، وزوجاتنا وأبناءنا، وأقاربنا وجيراننا، وزملاءنا وأصدقاءنا.

.. ندعوهم للسعادة والحياة الطيبة والتغيير من خلال القرآن..

فإن فعلنا ذلك فستسري روح القرآن في الأمة شيئاً فشيئاً، لتسترد عافيتها، وترتفع هامات أبنائها إلى السماء مرة أخرى، وتتجه إلى الله وتفعل كل ما يرضيه ليأتي تبعاً لذلك الفرج والنصر منه سبحانه ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج : 40].

.. وأخيرًا،  نسأل الله عز وجل أن يعيننا على العودة الحقيقية إلى القرآن، والتمسك به، والاستشفاء بشفائه، وأن يوفقنا إلى دعوة الناس إليه.

وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه وسلم والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

منقول: وحبذا لو أضفنا لذلك بل هو الأساس أن ننشغل بالدعوة إلى الله: بمعنى تعظيم الله أمام بيئة تعظيم غير الله.

Tags:
أحدث المقالات
المشاهدات: 764

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy

Site Translation

إحصائيات


mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterالزوار لأول مرة اليوم657
mod_vvisit_counterأمس886
mod_vvisit_counterهذا الأسبوع6009
mod_vvisit_counterالأسبوع الماضي6552
mod_vvisit_counterهذا الشهر17534
mod_vvisit_counterالشهر الماضي33773
mod_vvisit_counterالجميع736167

متواجدون(20 دقيقة منذ): 64
رقمك 38.107.179.206

المتواجدون

يوجد 13 زائر حالياً
عدد مشاهدات المحتوى : 824519

..:::: الزوار من أنحاء العالم ::::..