أعظم المعاقبة أن لا يحس المعاقب بالعقوبة , وأشد من ذلك أن يقع السرور بما هو عقوبة , كالفرح بالمال الحرام , والتمكن من الذنوب . ومن هذه حاله , لا يفوز بطاعة .
وإني تدبرت أحوال أكثر العلماء والمتزهدين , فرأيتهم في عقوبات لا يحسّون بها , ومعظمها من قِبَل طلبهم للرياسة .
فالعالم منهم يغضب إن رُدَّ عليه خطؤه , والواعظ متصنع بوعظه , والمتزهد منافق أو مُراء .
فأول عقوباتهم : إعراضهم عن الحق شغلاً بالخلق . ومن خفيِّ عقوباتهم : سلب حلاوة المناجاة , ولذَّة التعبد.
إلا رجال مؤمنون , ونساء مؤمنات , يحفظ الله بهم الأرض , بواطنهم كظواهرهم , بل أجلى وسرائرهم كعلانيتهم , بل أحلى , وهممهم عند الثريا , بل أعلى . إن عرفوا تنكروا , وإن رئيت لهم كرامة أنكروا . فالناس في غفلاتهم , وهم في قطع فلاتهم , تحبهم بقاع الأرض , وتفرح بهم أفلاك السماء.
نسأل الله عز وجل التوفيق لاتِّباعهم , وأن يجعلنا من أتباعهم .
قاله ابن الجوزي في صيد الخاطر
| < السابق |
|---|













