Get Adobe Flash player
Facebook Twitter Google Bookmarks RSS Feed 

إن فلاح وفوز ونجاح جميع الإنس والجن هو فقط في إمتثال أوامر الله عز وجل، على طريقة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

ونؤكد لأنفسنا وللجميع أن النت أو القراءة هي حوافز وتعليم ولا تغني عن تحريك الأقدام ومفارقة الأهل والأوطان لإعلاء كلمة الله فينا وفي العالم

فهكذا يتم تحصيل ونشر الدين

 
أرسى الإسلام قواعد وأسسا للتعايش مع الآخر في جميع الأحوال والأزمان والأماكن‏,‏ بحيث يصبح المسلمون في تناسق واندماج مع العالم الذي يعيشون فيه‏,‏ بما يضمن تفاعلهم مع الآخر وتواصلهم معه دون تفريط في الثوابت الإسلامية‏.
وعلى نهج تلك الأسس ووفق هذه الثوابت يمضي المسلمون قدما في رسم الحضارة الإسلامية لمعايشة المستجدات التي تطرأ عبر التاريخ‏,‏ كما يظل الرسول صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة في كل شيء‏,‏ مصداقا لقول الله تعالى‏: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ} [الأحزاب:21].
‏وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا أربعة نماذج للتعايش مع الآخر داخل الدولة الإسلامية وخارجها‏:

1- أول هذه النماذج هو نموذج مكة‏,‏ وكان المقام فيها مقام الصبر والتعايش‏,
2- الثاني نموذج بقاء المسلمين في الحبشة‏,‏ والمقام فيها مقام الوفاء والمشاركة‏,
3- الثالث نموذج المدينة في عهدها الأول‏,‏ والمقام فيها مقام الانفتاح والتعاون‏,‏
4- الرابع هو نموذج المدينة في عهدها الأخير‏,‏ والمقام فيها مقام العدل والوعي قبل السعي‏.‏

ولا يخرج بقاء المسلم في مجتمعه وتعايشه مع كافة النظم والأديان كافة عن هذه الصور الأربع‏,‏ ومن ثم يجب علينا أن نعي حقائقها‏,‏ لندرك أنها صالحة للمسلم في كل عصر بحسب حاله‏,‏ مستفيدا من سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته على كل حال‏, ‏إذ قد أقامه الله تعالى في هذه المقامات كلها‏.‏
والحقيقة أن هذه المقامات أصبحت أساسا أصيلا في تكوين شخصية المسلم‏,‏ وامتدت إلى أعماقه حتى صار الصبر والتعايش والانفتاح والتعاون والوفاء والمشاركة والعدل والوعي بالشأن والزمان والسعي على بصيرة جزءا لا يتجزأ من تلك الشخصية‏,‏ بل إن هذه المقامات هي أصل دين الله الذي ارتضاه للبشر عبر العصور وكر الدهور‏.‏
والذي نحاول أن ننتهي إليه أن النماذج الأربعة في التعايش مع الآخر فردا كان أو دولة هي نماذج قائمة لا يعتريها إبطال أو تعطيل‏,‏ وواقع وحال الأفراد أو الجماعات هو الذي يحدد للمسلم في هدي أي نموذج يمكن أن يتواصل ويتعاون ويحقق السلام الاجتماعي والتعايش مع الآخر‏.‏
على ألا يغيب عن أذهاننا أن هذه النماذج لا يدخلها النسخ بمعنى رفع أحكامها كلية‏,‏ إذ النسخ لا يقع في الأحكام التي وردت في كتاب الله تعالى‏,‏ فهو صالح لكل زمان ومكان‏,‏ وهو الكلمة الأخيرة من رب العالمين إلى الناس‏,‏ ونحن في احتياج إلى كل ما أمر به ونهى‏,‏ أو أرشد ونبه‏,‏ فليس هناك نسخ لأحكامه‏,‏ لا بالكتاب ولا بالسنة‏.‏
ويناسب ما ذهبنا إليه هنا القول بالنَّساء ‏-بفتح النون‏-‏ وهو أن يرد حكم مقيد بقيد‏,‏ أو مشروط بشرط فنعمل به عند حصول قيده أو شرطه‏,‏ ولا نعمل به عند فقد واحد منهما‏,‏ وبذلك نكون قد أنزلنا القرآن الكريم منزلته‏,‏ فلا تنتهي عجائبه‏,‏ ولا يخلق من كثرة الرد‏,‏ ولا يزال مصدرا للأحكام في هدي السنة المشرفة وبيانها‏, ‏في كل زمان ومكان‏, ‏وعلى كل حال‏.‏
وقد أشار الزركشي وتابعه السيوطي إلى ذلك عند كلامهما عن النسيء‏,‏ وأنه ليس من أنواع النسخ حقيقة‏,‏ قالا رحمهما الله تعالى‏: «قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب‏:...‏الثالث‏:‏ ما أمر به لسبب‏,‏ ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر‏,‏ وبالمغفرة للذين يرجون لقاء الله‏, ‏ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها‏,‏ ثم نسخه إيجاب ذلك‏.‏
وهذا ليس بنسخ في الحقيقة‏, ‏وإنما هو نسيء كما قال تعالى‏: {‏أو ننسأها‏} [‏البقرة‏:106],‏ فالمنسأ‏:‏ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوي المسلمون‏,‏ وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى‏.‏
وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف‏, ‏وليست كذلك بل هي من المنسأ‏,‏ بمعنى‏:‏ أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم‏,‏ ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكمٍ آخر‏,‏ وليس بنسخ‏,‏ إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدا» (‏البرهان في علوم القرآن 2/42,‏ والإتقان‏ 2/57).‏
ومما سبق يمكننا أن نحمل الآية‏: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ} [البقرة:106] على نسخ الشرائع‏,‏فنسخ الإسلام ما قبله من الكتب المنزلة‏,‏ وأزال أحكامها‏,‏ وبين انتهاء العمل بها‏, ‏وقوله تعالى‏: {أَوْ نُنْسِهَا} تحمل على قراءة‏: {‏أو ننسأها‏},‏ ويصبح إطلاق اسم النسخ على ترك الحكم لانعدام علته تجوزا لا يمنع العودة إلى الحكم الأول عند رجوع حالته وظرفه أو علته‏.‏
ويمكن ذلك بأن نجعل كل الآيات التي ذكر فيها أنها منسوخة إنما تثبت حكما شرعيا على المكلفين في حالة معينة‏,‏ وأن الآيات التي قيل فيها إنها ناسخة تثبت حكما شرعيا آخر‏,‏ عند تغير الحالة الأولى إلى حالة أخرى‏,‏ يعني إذا رجعت الحالة الأولى‏, ‏رجع معها الحكم المنزل بإزائها‏.‏ أو بمعنى آخر‏: (‏تنزل الأحكام المتعارضة على أحوال مختلفة‏).‏ ومعلوم من الدين بالضرورة أن ما ذكرنا لا يتأتى في الأحكام الثابتة المستقرة التي أجمعت عليها الأمة‏.‏

لكل ما سبق ندعو العلماء المجتهدين في عصرنا الحاضر إلى التعمق في إدراك هذه النماذج الأربعة وحسن الاستفادة منها باستخلاص الأحكام الشرعية التي تحقق للمسلم فردا أو جماعة المصلحة‏,‏ وتضمن له الأمن والحرية‏,‏ وتأخذ بيده إلى التوفيق بين القيام بمتطلبات دينه من دعوة للحق وتأدية للعبادات والشعائر وبين السلام مع الآخرين وعدم الاصطدام بهم‏.‏


نماذج التعايش مع الآخر ‏‏نموذج مكة قبل البعثة
جاءت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة نماذج للتعايش مع الآخر وهي كافية لجميع الأحوال والأزمان‏,‏ وتمثل تلك النماذج منهجا ونبراسا للمسلمين في علاقتهم مع الآخر‏,‏ ليكونوا في مقدمة الأمم في الدعوة إلى السلام والتعايش السلمي مع مختلف الأمم والطوائف‏,‏ وذلك بالتزامهم بثوابت الإسلام ومبادئه التي تدعو إلى الخير والبر والتعاون مع الآخر في إطار من الاحترام المتبادل‏.‏
وأول نماذج التعايش ‏(نموذج مكة قبل البعثة‏),‏ حيث عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيئة يغلب على سكانها عبادة الأوثان‏,‏ وممارسة الرذيلة من بغاء وشرب خمر وارتكاب للفواحش‏,‏ وامتد ذلك إلى أن القوي كان يطغى على الضعيف ويأكل حقه‏,‏ حتى إن السيد كان يقهر من تحت يده من عبيد وإماء ولا يحترم إنسانيتهم‏,‏ وكان العربي يتعالى على العجمي‏,‏ وكان الأبيض يفخر على الأسود‏,‏ ويصف حالهم جعفر بن أبي طالب حين خطب أمام النجاشي فقال‏: ‏أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية‏,‏ نعبد الأصنام‏,‏ ونأكل الميتة‏,‏ ونأتي الفواحش‏,‏ ونقطع الأرحام‏,‏ ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف ‏(‏مسند أحمد 4/286).‏
وفي هذه البيئة غير السوية عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه متآلفا معهم‏,‏ يقوم بدور اجتماعي فعال‏,‏ ويتعاون في أمور البر والخير‏.‏
ومن مظاهر ذلك تحالفه صلى الله عليه وسلم مع قبائل من قريش تعاهدوا على نصرة المظلوم قبل البعثة‏, ‏حيث تداعت قبائل من قريش إلى حلف فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان‏;‏ لشرفه وسنه‏,‏ فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه‏,‏ وكانوا على من ظلمه‏,‏ حتى ترد عليه مظلمته‏,‏ فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول‏.‏
وفي هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم‏,‏ ولو أدعى به في الإسلام لأجبت ‏(السيرة النبوية لابن هشام 1/133).‏
وقد تمسك النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحلف أيما تمسك‏,‏ وكان يعمل بمقتضاه حتى بعدما عادته قريش وضيقت عليه هو وأصحابه‏,‏ فيروى أن أبا جهل بن هشام ابتاع من شخص جمالا‏,‏ فماطله بأثمانها‏,‏ فدلته قريش على النبي صلى الله عليه وسلم لينصفه من أبي جهل‏;‏ استهزاء برسول الله‏,‏ لعلمهم بأنه لا قدرة له على أبي جهل‏, ‏وذلك بعد أن وقف على ناديهم فقال‏: ‏يا معشر قريش من رجل يعينني على أبي الحكم بن هشام‏,‏ فإني غريب وابن سبيل‏,‏ وقد غلبني على حقي؟ فقالوا له‏:‏ أترى ذلك الرجل يعنون رسول الله اذهب إليه فهو يعينك عليه‏,‏ فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له حاله مع أبي جهل‏,‏ فخرج مع الرجل إلى أبي جهل وضرب عليه بابه‏,‏ فقال‏:‏ من هذا؟ قال‏:‏ محمد‏.‏ فخرج إليه وقد انتقع لونه أي تغير من الرهبة فقال له‏:‏ أعط هذا حقه‏.‏ قال‏:‏ نعم‏,‏ لا تبرح حتى أعطيه الذي له‏.‏ فدفعه إليه‏,‏ ثم إن الرجل أقبل حتى وقف على ذلك المجلس فقال‏:‏ جزاه الله خيرا‏,‏ فقد والله أخذ لي بحقي‏ .(‏السيرة الحلبية‏ 1/507).‏
ومن مظاهر تعاونه صلى الله عليه وسلم مع قومه قبل البعثة مساعدته إياهم في حقن دمائهم‏, ‏ورفع التنازع بينهم‏,‏ ودفع شر مستطير كان سيحيق بهم‏,‏ وذلك‏: ‏أنه في السنة الخامسة والثلاثين بنت قريش الكعبة وتقاسمتها أرباعا‏,‏ فلما انتهوا إلى موضع الحجر الأسود تنازعت القبائل أيها يضعه موضعه حتى كادوا يقتتلون‏,‏ ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل عليهم من بني هاشم‏, ‏فكان صلى الله عليه وسلم هو أول داخل‏, ‏فقالوا‏:‏ هذا محمد‏,‏ هذا الصادق الأمين‏,‏ رضينا به‏,‏ فحكموه‏,‏ فبسط صلى الله عليه وسلم رداءه ووضع الحجر فيه‏,‏ وأمر أربعة من رؤساء القبائل الأربع أن يأخذوا بأرباع الثوب‏,‏ فرفعوه إلى موضعه‏,‏ فتناوله صلى الله عليه وسلم بيده المباركة‏,‏ فوضعه في موضعه ‏(سيرة ابن إسحاق ص‏119).‏
وعلى مستوى أسرته صلى الله عليه وسلم نراه يرد الجميل لعمه أبي طالب الذي رباه‏,‏ فيأخذ منه عليا رضي الله عنه ليربيه‏,‏ حين أصيبت قريش بأزمة اقتصادية شديدة‏,‏ وكان أبو طالب ذا عيال‏.‏
بتلك الأمثلة وغيرها ينبغي على المسلمين أن يقتدوا في تعاملهم مع الآخر‏,‏ حيث يضعون نصب أعينهم هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع غير المسلمين وحرصه على التمسك بالأخلاق والمبادئ الإسلامية القويمة التي تحث على الوفاء والصدق والأمانة‏,‏ فقد كان صلى الله عليه وسلم يعرف في مكة قبل البعثة بأنه الصادق الأمين‏;‏ ولم يعرف عنه أبدا أنه خان أمانة أو نقض عهدا أو كذب يوما‏.‏ وهذا ما أدركته السيدة خديجة رضي الله عنها حين واسته بقولها‏: ‏أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا‏,‏ إنك لتصل الرحم‏,‏ وتصدق الحديث‏,‏ وتحمل الكل‏,‏ وتكسب المعدوم‏,‏ وتقري الضيف‏,‏ وتعين على نوائب الحق ‏(البخاري 6/173).‏
إن نموذج التعايش في مكة مع الآخر قبل البعثة‏ -‏وكان المقام فيه ‏(مقام التعايش والوفاء والتعاون على البر والخير‏)-‏ يدفع المسلمين الذين يعيشون في مثل تلك الظروف‏-‏في أي زمان أو مكان‏-‏ إلى التمسك بعقيدتهم وعدم التفريط في ثوابت وأصول الإسلام مع الالتزام بمكارم الأخلاق التي تؤسس وترسخ تلك العلاقة مع الآخر بما يضمن السلم والاستقرار الاجتماعي‏,‏ ويكشف عن حقيقة الإسلام وسماحته أمام العالمين‏.‏

الشيخ علي جمعة مفتي الأزهر

 



Tags:
أحدث المقالات
المشاهدات: 1571

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy

Site Translation

إحصائيات


mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
mod_vvisit_counterالزوار لأول مرة اليوم678
mod_vvisit_counterأمس886
mod_vvisit_counterهذا الأسبوع6030
mod_vvisit_counterالأسبوع الماضي6552
mod_vvisit_counterهذا الشهر17555
mod_vvisit_counterالشهر الماضي33773
mod_vvisit_counterالجميع736188

متواجدون(20 دقيقة منذ): 71
رقمك 38.107.179.209

المتواجدون

يوجد 12 زائر حالياً
عدد مشاهدات المحتوى : 824557

..:::: الزوار من أنحاء العالم ::::..