(ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين).. فليس هناك مقام أعلى وأرقى وأسمى وأحلى وأغلى من مقام الدعوة....
-هذه الدعوة الحسناء الجميلة لا يعرف قيمتها ولا يتذوق حلاوتها ولا يدرك شرفها إلا الفارس المحب الذي لا يترجل عنها لحظة، إنه في الميدان دائما....
والمثال الأقرب للداعية ليس هو الطبيب، ولا المهندس، ولا المدرس، فكلهم ينتظر الراتب آخر الشهر، ونهاية الدوام، وكلهم مشروعه مرتبط بأمر يتحقق، ولكنه العاشق والمتيم ! ... والذي ينتظر المعشوقة بفارغ الصبر، ولا يشعر أو يحصي كم بذل من أجلها من وقته واهتمامه، والذي إذا سدت في وجهه الأبواب، دخل من النوافذ ! وإذا استعصت عليه الحيل، أتى بأخرى !
يقول أحد الدعاة المحبين (ليس المحب الذي يرجو من محبوبه عوض، أو يطلب منه غرض، فإن المحب من يبذل لك، ليس المحب من تبذل له). إنه ابن عطاء الله السكندري
هي أجمل من بثينى، وأحلى من ليلى، وأروع من مي. .لو رآها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف!!
مررت على الديار ديار ليلى == أقبل ذا الجدار و ذا الجدار
و ما حب الديار شغفن قلبي == ولكن حب من سكن الديار
حسناء، متناسقة، متناغمة، ساحرة، جذابة..
أبدع داعية محب آخر إنه ابن القيم في وصفها وعشقها في مدارجه فقال: "عليها تفانى المحبون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وفيها تنافس المتنافسون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام..."
أحبك لا تسأل لماذا لأنني أحبك فهذا الحب رأيي ومذهبي؟!
وهاهو الداعية المحب الحبيب القرني يرسم لك لوحة الحب بدموعه الباسمة فتأمل جمالها الساحر البديع :
بالحب يثور النائم من لحافه الدافئ، وفراشه الوثير لصلاة الفجر، بالحب يتقدم المبارز إلى الموت مستثقلا الحياة، بالحب تدمع العين، ويحزن القلب، ولا يقال إلا ما يرضي الرب، الحب كالكهرباء في التيار يلمس الأسلاك فإذا النور، ويصل الأجسام فإذا الدفء، ويباشر المادة فإذا الإشعاع، الحب كالجاذبية به يتحرك الفلك، وتتصاحب الكواكب، وتتآلف المجموعة الشمسية، فلا يقع بينهما خصام ولا قتال، بالحب تتآخى الشموس في المجرة، فلا صدام هناك، ويوم ينتهي الحب يقع الهجر والقطيعة في العالم، وسوء الظن والريبة في الأنفس، والانقباض والعبوس في الوجوه، يوم ينتهي الحب لا يفهم الطالب كلام معلمه العربي المبين، ولا تذعن المرأة لزوجها ولو سألها شربة ماء، ولا يحنو الأب على ابنه ولو كان في شدق الأسد، يوم ينتهي الحب تهجر النحلة الزهر، والعصفور الروض، والحمام الغدير، يوم ينتهي الحب تقوم الحروب، ويشتعل القتال، وتدمر القلاع، وتدك الحصون، وتذهب الأنفس والأموال، ويوم ينتهي الحب تصبح الدنيا قاعا صفصفاً، والوثائق صحفا فارغة، والبراهين أساطير، والمثل ترهات ! . لا حياة إلا بالحب، ولا عيش إلا بالحب، لا بقاء إلا بالحب، إذا أحببت شممت عطر الزهر، ولمست لين الحرير، وذقت حلاوة العسل، ووجدت برد العافية، وحصلت أشرف العلوم، وعرفت أسرار الأشياء
وإذا كرهت صارت كل كلمة عندك جارحة، وكل تصرف مشبوها، وكل حركة مشكوك فيها، وكل إحسان إساءة . المحب هجره وصال، وغضبه رضا، وخطيئته إحسان، وخطؤه صواب .
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى.....فصادف قلبا خاليا فتمكنا.
تالله ما هزلت حبيبتنا فيستامها المفلسون، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون،
-لما كثر المدعون لمحبتها طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي!
وكل يدعي وصلا بليلى === وليلى لا تقر لهم بذاك
إذا تشابكت دموع في عيون=== تبين من بكى ممن تباكى
قال الجنيد: دفع السري إليه رقعة، وقال: هذه خير لك من سبعمائة قصة ؟!.. فإذا فيها:
ولما ادعيت الحب قالت كذبتني فما لي أَرى الأعضاء منك كواسيا
فما الحب حتى يلصق القلب بالحشا وتذبل حتى لا تجيب المناديا
وتنحل حتى لا يبقي لك الهوى سوى مقلة تبكى بها وتناجيا
-ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها..... تريد أم الدنيا وما في طوياها
لقال غبار من تراب نعالها....... ألذ لنفسي وأشفى لبلواها
فمن هذه الحسناء الجميلة التي تغنى بها الشعراء في قصائدهم؟ وبحث عنها الملوك في قصورهم؟ والفلاسفة في تجريدهم؟!
- إنها الدعوة!!!.. التي سقيت بمداد آلاف العلماء والمفكرين والدعاة من أمثال: الأنبياء عليهم أفضل الصلوات والسلام والصحابة رضوان الله عليهم آل البيت والأصحاب والأزواج.. ورويت بدماء آلاف الشهداء منهم ومن إتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.... تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة...!!..
(ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين).. فليس هناك مقام أعلى وأرقى وأسمى وأحلى وأغلى من مقام الدعوة....
-هذه الدعوة الحسناء الجميلة لا يعرف قيمتها ولا يتذوق حلاوتها ولا يدرك شرفها إلا الفارس المحب الذي لا يترجل عنها لحظة، إنه في الميدان دائما....
والمثال الأقرب للداعية ليس هو الطبيب، ولا المهندس، ولا المدرس، فكلهم ينتظر الراتب آخر الشهر، ونهاية الدوام، وكلهم مشروعه مرتبط بأمر يتحقق، ولكنه العاشق والمتيم ! ... والذي ينتظر المعشوقة بفارغ الصبر، ولا يشعر أو يحصي كم بذل من أجلها من وقته واهتمامه، والذي إذا سدت في وجهه الأبواب، دخل من النوافذ ! وإذا استعصت عليه الحيل، أتى بأخرى !
- فهاهو الجذع يعشق ويحن ويحب ويحزن ويتشوق!، في حديث البخاري: قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: كان المسجد مسقوفاً على جذوع نخل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منه، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار.
-وفي رواية أنس: حتى ارتج المسجد بخواره.
-وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما رأوا به.
-وفي رواية المطلب وأبي: حتى تصدع وانشق، حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع يده عليه فسكت!!..
فكان الحسن إذا حدث بهذا بكى، وقال: يا عباد الله، الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقاً إليه لمكانه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه...
- و ما تجاوز أحد الدعاة الأفاضل – رحمه الله – حين صارحنا فقال :
" إنه من الواجب أن تكون في قلوبكم نارا متقدة تكون في ضرامها على الأقل مثل النار التي تتقد في قلب أحدكم عندما يجد ابناً له مريضاً ولا تدعه حتى تجره إلى الطبيب، أو عندما لا يجد في بيته شيئاً يسد به رمق حياة أولاده، ولا تزال تقلقه و تضطره إلى بذل الجهد والسعي .
إنه من الواجب أن تكون في صدوركم عاطفة صادقة تشغلكم في كل حين من أحيانكم بالسعي في سبيل غايتكم و تعمر قلوبكم بالطمأنينة، وتكسب لعقولكم الإخلاص والتجرد وتركز عليها جهودكم وأفكاركم بحيث أن شؤونكم الشخصية و قضاياكم العائلية إذا استرعت اهتمامكم فلا تلتفتون إليها إلا مكرهين . وعليكم بالسعي أن لا تنفقوا لمصالحكم وشؤونكم الشخصية إلا أقل ما يمكن من أوقاتكم و جهودكم، فتكون معظمها منصرفة لما اتخذتم لأنفسكم من الغاية في الحياة وهذه العاطفة مالم تكن راسخة في أذهانكم، ملتحمة مع أرواحكم و دمائكم، آخذة عليكم ألبابكم وأفكاركم، فإنكم لا تقدرون أن تحركوا ساكناً بمجرد أقوالكم"
و لم يتجاوز حين كرر و قال ثانية أن : "اسمحوا لي أن أقول لكم أنكم إذا خطوتم على طريق هذه الدعوة بعاطفة أبرد من تلك العاطفة القلبية التي تجدونها في قلوبكم نحو أزواجكم وأبنائكم وآبائكم وأمهاتكم فإنكم لا بد أن تبوءوا بالفشل الذريع، بفشل لا تتجرأ بعده أجيالنا القادمة على أن تتفكر في القيام بجهد مثل هذا الجهد إلى مدة غير وجيزة ...
ما محنة الداعية إلا لهوه وغفلته و جلوسه فارغاً، وربما زاد فينفتح له باب من اللغو بعد اللهو .
وما انتصار الداعية إلا في أن تعاف نفسه ما لا يؤثر في تقدم دعوته، إن غفلة الداعية محنة لأنها صرفته عن نصر ممكن يحققه له الجد والعمل الدائب، وعن أجر وثواب أخروي ليس له من مقدمة إلا هذا الجد وسيظل اسمنا مكتوباً في سجل الغافلين الفارغين ما دمنا لا نعطي للدعوة إلا فضول أوقاتنا، وما دمنا لا نشغفها حباً ولا نتخذها حرفة .
فاربأ بنفسك أن تستأنس بمن لا عقل له، ولا يسير إلى غاية....
فبعض الرجال نخلة؛ لا جنى لها، ....... ولا ظل، إلا أن تعد من النخل.
وحاشاك أن يكون هؤلاء لك أصحابا، فإن القلب يستوحش عند مخالطة أمثالهم، ممن ليس لهم قضية ولا هدف...ولا يحركهم شعور بمسؤولية أو يهزهم خبر المسلمين ونبأ الصراع... ولا تكويهم حرارة التحديات....
- وكم أرتنا الدعوة وأحداثها أحباب الحبيبة (الدعوة) هؤلاء، الذين امتزجت أرواحهم بروح الدعوة، وذابت رغباتهم وطموحاتهم وآمالهم في تيار الدعوة، وصابروا في ثغور النشاط على سنة التواضع والفقر، بغير مال، ولا شهادة دراسة عليا، ولا لقب ولا سيارة، ولا مركز مرموق، بل بالقميص المخرق المرفأ!! وعلى الأقدام يتجولون.
....حتى إذا جاء وقت الجهد والتشكيل والتنافس في الخير رأيتهم الزعماء حقا!!...يقودون جمهرة المؤمنين...ويضربون الأمثال لمن يروم التحدي...ولو صنفهم الناظر لهم بعين الموازين الدنيوية والأعراف الوظيفية لوضعهم في المؤخرة ....
...لكن العارف بلغات القلوب ولهجات الأرواح يميز المنازل السامية التي احتلوها...
فيؤسر إعجابا... وينشد احتراما... فينطق لسانه بأزكى الدعاء لهم ...لما رأى من نبض ووميض في التضحية والصدق..؟؟؟!!!..
-يقول أحد المحبين الدعاة إنه ابن الجوزي رحمه الله: "ألست تبغي القرب منه؟ فاشتغل بدلالة عباده عليه، فهي حالات الأنبياء عليهم السلام، أما علمتَ أنهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبد، لعلمهم أن ذلك آثر عند حبيبهم؟ هل كان شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق، وحثهم على الخير ونهيهم عن الشر؟"
ويؤكد ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله فيقول: "الشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته: وقوفه في الصف ساعة، وجهاده أعداء الله، أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع، والعالم الذي قد عرف السنة، والحلال والحرام، وطرق الخير والشر: مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم، أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح"
ويقول الكيلاني رحمه الله: "هذه -أي الدعوة- هي الغاية القصوى في بني آدم، لا منزلة تفوق منزلته إلا النبوة"......
-...حمل هم التفكير في الحسناء الجميلة هذا هو نقطة البداية الإبداعية.
حياتك وحياة كل حر مصلح يريد أن يقود الحياة فكلها هموم ثقيلة، ومسؤوليات، ورهبة، وتأمل عميق في محركات الحياة، تنهكك الأوجال، تعصرك الحاجات، وتذيبك الأشواق!.
وإذا كانت النفوس كبارا....تعبت في مرادها الأجسام
-لقد طال الأمد على بعض الأحباب، فقست القلوب، وضعفت الهمم، وفترت العزائم، وانطفأت الجذوة المتقدة، وبردت العاطفة الجياشة، وذهبت اللوعة والحرقة!!
لكن القديم حقا والداعي الصادق يلبي النداء وكله همة وأمل وحزم وعزم وعمل:
إذا القوم قالوا: مَنْ فتىً؟ خِلْتُ … أنني عُنيتُ، فلم أَجْبُنْ ولم أتبلَّدِ
بل منهم من هو من القوم المشكلين: "من القوم الذين قالوا: مَنْ فتىً"
يامن قرأت هذا الذي قرأته لك -جزى الله خيرا من دلنا وكل من كُتب إسمه هنا أو نسيناه- هل أنت مستعد؟؟
إذا أين ستذهب الآن؟ هل ستخرج من مكانك بزادك ومالك ونفسك للأحباب الذين قربك، أو أنك تخشى أن الرازق سيتغيب بغيابك أو يتوقف بوقوفك؟ إذا كنت كذلك فعلاجك أن تغادر بيتك الآن، هاجر إلى ربك ليطهر قلبك ويعطيك يقين البقر والطيور، فخليفة الله لايخطر بقلبه ذلك؟.
فإما أن نكون:
إذا القوم قالوا: مَنْ فتىً؟ خِلْتُ … أنني عُنيتُ، فلم أَجْبُنْ ولم أتبلَّدِ
أو نكون
فبعض الرجال نخلة؛ لا جنى لها، ....... ولا ظل، إلا أن تعد من النخل.
| < السابق | التالي > |
|---|













