طرح أحد الصحفيين سؤالاً على المفكر الإسلامي أبي الأعلى المودودي وهو: ماذا يمكن أن تقدموه للغرب في هذا العصر؟
فكان الجواب: سنقدم لهم الأخلاق.
وسئل المفكر الإسلامي سعيد النورسي عن رأيه في الغرب فقال: إن الغرب حامل بالإسلام وسيلده يوماً.
لا ينكر أحد العبقرية الغربية في التنظيم والعلم والتكنولوجيا، ولكن كل هذا لا ينفي وجود أزمات حادة ستعصف بالمجتمعات الغربية آجلاَ أو عاجلاً
يقول فريد ريش ديرنمات بتاريخ 6/4/1990م:
"إنني لا أستطيع إلا أن أقرر ـ بصفتي طبيباً ـ أن الإنسانية غارقة في أزمة رهيبة".
قلت: هذا ما يؤكده العقلاء في الغرب، وهذا ما تؤكده وسائل الإعلام المختلفة، حيث تشكل هذه الأزمات رعباً هستيرياً يهدد البشرية بالفناء.
وإذا كانت المجتمعات الغربية وصلت إلى حالة من اللامبالاة حيال الفساد الأخلاقي والكوارث والأحداث العالمية، فإن سببها شعور بالإحباط وليس التفاؤل.
فحالة الذعر التي يتفرَّد بالتحذير منها أصحاب الثقافة الخضراء لم تُجْدِ نفعاً ولم تغيِّر واقعاً.
إن التسابق النووي، واحتمال وقوع حرب نووية، والاعتداء على البيئة بالتدمير الهائل للغابات من قبل الشركات الرأسمالية، وثقب الأوزون، وزيادة درجة حرارة الأرض، والإيدز، وجنون البقر، وأنفلونزا الطيور، والحروب التي يخوضها الرأسماليون في بقاع من العالم كلها تؤدي إلى الكارثة.
إن العالم الغربي يعيش في مأزق اجتماعي وأخلاقي، ولكنها أزمة مريحة تتناسب مع تناول البيرة والخمور والمخدرات، وبالتالي دمار الأسرة، وأيضاً ترقب لنهاية العالم بحرب نووية "حرب هرمجدون"
أولم يتضح بالدليل والبرهان، البيِّن أن القرن العشرين المنصرم كان أكثر القرون دموية في تاريخ البشرية، بكل ما شهده من حرب عالمية مدمرة، وانتشار الأسلحة القادرة على إبادة الملايين من البشر، ومعسكرات الإبادة وعمليات التطهير العرقي، وغيرها من مآسي البشرية في فلسطين وغيرها.
كل هذا يشهده العالم في عصر ما يسمى بالتنوير والحداثة، والديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية.
وتتركز هذه الأعمال الوحشية المهينة للبشرية في الغرب الذي يدعي التحضر ويفتخر بعقلانيته وشعاراته الإنسانية.
إن المجتمعات الغربية لا تعاني من مرض وإنما تعاني من أمراض، وهذا سيؤدي بها إلى السقوط الأخلاقي كما حدث للمعسكر الشيوعي من قبل.
لقد ثبت أن نظريات صمويل هتنجتون بشأن صدام الحضارات الذي لا مفر منه خاصة بين الغرب والإسلام بكافة "أبعاده الدموية" ما هي إلا صيحة إنذار ذات طبيعة دفاعية في المقام الأول.
لقد تكوَّن في الغرب شعور بضرورة قطبين في العالم، أي هناك وادي السلكون وهنا مكة، وهذا يؤكد أن الغرب لم يتطور منذ 1862م حين أعلن أرنست رينان: أن الإسلام هو النفي التام( النقيض) لأوروبا.
فلم يطور الغرب ثقافته وسياسته نحو الإسلام في القرن الحادي والعشرين.
وكل هذا بسبب خوفه من أن يصبح الإسلام بالفعل ديناً يسود العالم.
وبالتالي سيصبح في هذه الحالة العلاج والشفاء الذي سينقذ الغرب من نفسه.
وبالتالي هل سيصبح الغرب قادراً على الاعتراف بالإسلام كدواء يصلح لشفاء أمراضه المستعصية؟ دواء يساعد الغرب على تخطي أزماته وإنقاذ حضارته؟
وهنا يأتي دور العقلاء من الغربيين، من أمثال هوفمان وتشومسكي وغيرهما في أطروحاتهم الموضوعية بعيداً عن التعصب.
لنستمع إلى المسلم الغربي، وهو يوضح الأسباب الشخصية لرغبته في الهجرة إلى بلد إسلامي بعد اعتناقه الإسلام، أو قبله.
لابد أن هناك أموراً تجذبه إلى درجة الرغبة في العيش هناك.
كيف يعتقد غربي أن بمقدوره أن يعيد شحن بطاريته الأخلاقية والروحية في أحد المجتمعات الإسلامية. هيا نستمع إليه:
في مقابل العائلة الغربية الصغيرة غير المترابطة، نجد العائلة الكبيرة الممتدة التي تربطها أواصر وثيقة تمثل اللبنة الأساسية الصلبة للمجتمع.
وبالرغم من أن الضغوط التي تتعرض لها العائلة المسلمة، بهدف تغريبها والمتمثلة في السياحة والأفلام الغربية المتحررة، "والتي تزيد الفساد" وتحسن الأحوال المعيشية التي تغني عن التكافل، وتزيد من حرية النساء اللاأخلاقية، فإن الأسرة في المجتمعات الإسلامية تتكاتف وتتماسك ويشعر كل فرد فيها بالدفء العاطفي والحسي، وطالما يتكسب أحد أفراد العائلة فلا يجوع فرد منها.
وفي بعض البلدان الإسلامية نجد رفضاً لإقامة دار للمسنين، لأن في ذلك مؤشراً لانهيار الضمانة الاجتماعية، التي تؤمنها العائلة للفرد.
هناك حقيقة ثابتة هي: تمثل العائلة في العالم الإسلامي ـ سواء ثرية أو فقيره ـ النسيج الاجتماعي الأساسي.
وهذه هي المكانة التي كانت الأسرة في الغرب تجلها يوماً ما.
ولا نغفل طبيعة العائلة المسلمة عن الضيافة ومظاهرها بينما الغربي لا يستطيع أن يفهمها.
بمثل الإحساس بالعائلة وكرم الضيافة الخلقية للدفء الإنساني والاستعداد التام لمساعدة المحتاج التي تشع في المجتمعات الإسلامية، شعور الإخاء الذي يسوُد بين أبناء الأمة، بسبب قراءة المسلمين في كتاب ربهم:{ إنما المؤمنون إخوة}.
ولذلك يعايش الأوروبي هذه الطبيعة والتسامح الذي يتعامل به المسلمون في المجتمعات الإسلامية كتجربة خاصة، تجلت له سعادة غامرة، ويَنْتابه إحساس غامر بالدفء الإنساني، وشعور الناس بعضهم ببعض، وهذه الحقيقة، تعد أحد الأسباب التي تدفع بالكثير من الغربيين إلى اعتناق الإسلام؟
والمسلم في أي مكان يحتمي بالمسلم مما يؤدي إلى زيادة ارتباط بعضهم ببعض، وهذا التضامن والشعور بالانتماء الذي يسود الأمة الإسلامية يسود فوق أي اعتبارات عرقية، "فـ مثلا المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأجزاء بالسهر والحمى".
هذا ما يؤكِّد و حْديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للمجتمع الإيماني.
إننا نستطيع أن نقول: إنك لن تجد ديناً نجح في دحض العصبية والعنصرية والتغلب عليها مثل الإسلام، حيث نجد في الحج تلاشي كل الفوارق العرقية، واللغوية، حيث يتحوَّل إلى مؤتمر لا ترى فيه اختلاف ألوان البشر وكأن المرء مصاب بعمى الألوان فلا يفرق بين لون وآخر.
ولقد أدت تجربة حج واحدة بـ (مالكوم إكس) رئيس جماعة أمة الإسلام الذي عرف عنه معاداته للسامية وللبيض، إلى أن يتبيَّن أن جماعته الموغلة في العنصرية تسير على الدرب الخاطئ، ومنذ تلك اللحظة أصبح مسلماً سنياً حقيقياً، وانضم إلى كل من محمد علي كلاي، ووارث محمد، ولكنه دفع حياته فيما بعد ثمناً لهذا التحُّول.
وهنا نطرح سؤالاً: ما سبب اهتمام الغربيين بملايين الكلاب، وصرفهم عليها مليارات الدولارات؟
السبب ـ والله أعلم ـ هو: بعد أن فقد الغربي كل علاقة إنسانية اجتماعية، استعاد عنها بصداقة الكلاب لعله يملأ هذا الفراغ القاتل الذي يعيشه، ولهذا يمكننا القول: إنَّ حضارة الغرب اليوم هي حضارة الكلب المقدس، لا الإنسان المكرم.
وفي الختام يمكننا أن نقول: إنَّ الإسلام يتَّسم بدرجة عالية من المساواة بين البشر، ذلك أن القرآن والسنة ذكرا أن المرء بتقواه وعمله وليس بغناه ونفوذه، ولا بحسبه ونسبه، ولا بجماله وشهرته.
| < السابق | التالي > |
|---|













