الغالبية العظمى من المسلمين في شتى بقاع العالم، يتفقون على صعوبة الوضع الذي تمر به الأمة الإسلامية، وعلى كثرة الفتن التي تحيط بها، وعلى أن الحال يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، إلا أن هذا الاتفاق لا يستمر إذا ما تطرق الحديث إلى التشخيص والعلاج.
بمعنى أنك إذا ما ذكَّرت محدثيك بأن هذا الواقع الأليم الذي تحياه أمتنا منذ عقود طويلة ما هو إلا نتيجة لتفشى مرض ضعف الإيمان، والتخلي عن حمل الرسالة التي شرف الله الأمة بها، وأنه لن يتغير هذا الواقع إلا إذا تغيرت نفوسنا، وامتلأت قلوبنا بالإيمان، وأن أفضل وسيلة لذلك هي التعامل الصحيح مع القرآن...
إذا ما ذكَّرتهم بهذا الحل الذي أرشدنا إليه مالك هذا الكون، ومدبَّر أمره، وأكد عليه رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنك لا تكاد تجد آذانا مصغية لك وكأنه ينبغي علينا أن نظل في هذا التيه، ونرتدي الأكفان منتظرين أن تحين نهايتنا وتقوم قيامتنا!!
أو ننتظر – كما يقول البعض – حتى يظهر المهدي، أو ينزل المسيح عليه السلام!!
لقد انطبق حال الأمة الإسلامية اليوم – إلى حد بعيد – مع حال أصحاب الغار، الثلاثة الذي كانوا في سفر، وأرادوا أن يستريحوا قليلا فوجدوا غارًا في بطن جبل فدخلوا إليه، لتأتي العواصف والرياح فتزحزح صخرة وتدحرجها حتى تقف أمام باب الغار، وتسده بالكلية، وعبثا يحاول الثلاثة أن يزحزحوا الصخرة ولكنها لم تتحرك قيد أنملة .. فماذا يفعلون؟!
هل دب اليأس إليهم؟! لا، لم يحدث هذا بل تذكروا أن للصخرة والغار ربا هو ربهم ورب كل شيء ومليكه .. تذكروا قدرته المتناهية، وقيوميته الدائمة عليهم وعلى الكون كله، فأقبلوا عليه متضرعين، متبئسين، منكسرين، وبداخلهم يقين بأنه لن ينجيهم سواه ..
وعندما تلبست بهم هذه الحالة، وامتلأت قلوبهم بالإيمان واليقين بأنه لن ينجيهم سوى الله تحركت الصخرة تدريجيا، ليخرجوا بعد ذلك من الغار سالمين.
ونحن الآن نعيش في مرحلة انطباق الصخرة على فوهة الغار وجميعنا بداخله، ولقد جربنا لإزاحة تلك الصخرة حلولا كثيرة فلم تنجح، فلماذا – إذن – لا نفعل مثل ما فعل الثلاثة ونتوجه توجها صادقا نحو من بيده إخراجنا، ونسير وفق ما دلنا عليه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم عندما أكد على الطريقة التي بها يمكن للأمة أن تخرج من أي كبوة تمر بها؟!
لماذا لا نتجه إلى المخرج الصحيح؟!
.. نعم، إن الفتن التي تمر بالأمة في غاية القسوة والخطورة، ولكن لا زال الأمل موجودًا، والمخرج ميسرًا لنا جميعا للخروج من هذه الأزمة، وللنهوض من جديد، وذلك من خلال حسن الاتصال بالقرآن والاغتراف من منابع الإيمان فيه، فتتغير تبعا لذلك نفوسنا، ونعود فنحمل رسالتنا، فنستدعي بذلك رضا الله عز وجل فتنفرج الصخرة، وتعود أمتنا لسيرتها الأولى .. الأمة الرائدة، وتعتلى مقعد الأستاذية للبشرية جمعاء .. أستاذية الهداية ]لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ[ [البقرة: 143].
وإنني – بفضل الله عز وجل ومَنَّه وكرمه – على يقين تام بأن نهوض الأمة وعودة مجدها من جديد قادم لا محالة، وأن القرآن هو الذي سيقودها إلى ذلك على يد جيل رباني، قد سرى نور القرآن في قلبه، وهيمن عليه وأشعل جذوة الإيمان فيه، فلم يدعه يقر حتى ينقل هذا النور إلى قلوب غيره – بإذن ربه – فتحيا الأمة بالقرآن، وتتوحد تحت رايته.
إن هذا اليقين لا ينطلق من أحلام وأوهام، بل ينطلق من الكتاب والسنة وما فيهما من أدلة تؤكد ذلك، ومن خلال النموذج الفريد الذي صنعه القرآن، ومن الوصايا النبوية بضرورة التمسك بالقرآن عند حدوث الفتن، وأنه المخرج الآمن منها، وينطلق كذلك من النماذج المشرقة التي صنعها القرآن على مر التاريخ، خاصة تلك النماذج التي ظهرت في العصر الحديث، والتي تعطي دلالة قوية بإمكانية تكرارها.
لو تأملنا المرحلة التي تعيشها أمتنا منذ عقود طويلة لوجدناها تتشابه إلى حد كبير مع مرحلة التيه التي مر بها بنو إسرائيل عندما رفضوا دخول الأرض المقدسة.
فبعد أن نجى الله عز وجل موسى – عليه السلام – وقومه، وأغرق فرعون وملأه، سار موسى – عليه السلام – ببني إسرائيل متوجها نحو الأرض المقدسة، وطلب منهم أن يدخلوها معه، فلما علموا أن فيها قوما أشداء خافوا من مواجهتهم، ورفضوا الدخول وقالوا لموسى :عليه السلام ]إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ[ [المائدة: 24].
فكان العقاب الإلهي بأن يتيهوا في الأرض أربعين سنة +فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ" [المائدة: 26].
والجدير بالذكر أن بني إسرائيل ظلوا خلال هذه المدة يبحثون عن مخرج من التيه، وكلما توهموا مخرجا اندفعوا إليه، وبذلوا فيه جهدهم، ليفاجأوا بعد ذلك أنه سراب...
يقول ابن كثير: فحرمها الله عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ([2]).
... وكذلك نحن، فمنذ عقود طويلة والمخلصون من أبناء أمتنا يبحثون عن مخرج للأمة يُنقذها من تيهها، إلا أن هذا البحث – مع ما فيه من جهد وإخلاص- تنقصه حلقة مهمة لكي تكتمل السلسلة وتظهر النتيجة المرجوة، وتنفرج الصخرة انفراجًا يتيح للأمة الخروج من مأزقها الراهن.
.. هذه الحلقة المفقودة تُعنى بتشخيص السبب الرئيس لمرض أمتنا وكيفية علاجه، وتنطلق من مفهوم يقول بأن أمتنا ليست كبقية الأمم، وأن لها وضعا خاصا عند الله عز وجل، فهي الأمة المكلفة منه سبحانه بحمل رسالته الأخيرة للبشرية وتبليغها للعالمين: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ" [البقرة: 143].
هذا التكليف يستلزم بذل الجهد والوسع والطاقة للنجاح في القيام به.
(وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [الحج: 78].
فإن كانت أمتنا مكلفة من الله عز وجل بحمل رسالته للناس أجمعين، فإنها لن تستطيع أن تقوم بهذه المهمة إلا إذا تمثلت فيها الرسالة أولا، وهذا لا يمكن حدوثه بدون وجود قوة روحية هائلة تدفع أبناءها لمجاهدة أهوائهم وشهواتهم، وتمكِّن للدين في نفوسهم... هذه القوة الروحية هي قوة الإيمان.
فالإيمان الحي يولد داخل الفرد قوة دافعة تعينه وتيسِّر عليه القيام بتنفيذ ما تضمنته الرسالة، وتدفعه كذلك لتوصيلها للآخرين.
لذلك نجد أن الله عز وجل قد ربط بين علونا وقيادتنا للبشرية وبين الإيمان الذي تحمله صدورنا .. ألم يقل سبحانه: ]وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ[ [آل عمران: 139].
وقال: ]وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ[[الأنفال: 19].
فالحماية والولاية والكفاية والنصرة على قدر الإيمان:
]ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ[ [محمد: 11].
]وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً[ [النساء:141].
فالإيمان – إذن- هو أهم شرط للتمكين والاستخلاف في الأرض:
]وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا[ [النور: 55].
يوم أن يضعف الإيمان، ويتمكن الهوى وحب الدنيا من قلوب أبنائها، فإنها بذلك تفقد مصدر قوتها وتميزها على سائر الأمم، وليس ذلك فحسب، بل إن ضعف الإيمان وغلبة الهوى من شأنه أن يستدعي غضب الله عليها؛ لأنها بهذا الضعف لن تستطيع أن تبلغ رسالته، ومن ثَم فإن العقوبات ستتوالى عليها حتى تفيق من غفلتها، وتعود لإيمانها من جديد، لتنطلق بعد ذلك حاملة الدواء الرباني، ورسالة الرحمة والشفاء للمرضى والتائهين والحيارى في شتى بقاع الأرض.
فعندما يضعف الإيمان: يقوى الهوى وحب الدنيا، ويزداد الانجذاب نحو الأرض، ويشتد السعي في اتجاه تحصيل الشهوات، ومن ثم تخبو الرغبة في الجهاد لتبليغ الرسالة، فيؤدي هذا إلى استدعاء غضب الله على الأمة .. وهذا هو واقعنا الآن، والذي ينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد: سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»([4]).
إن المتأمل المتدبر لواقع الأمة يجد أنها في مظانّ الغضب الإلهي، وإلا فبماذا تفسر عدم استجابة الدعوات المتواصلة الحارة والتي تلح على الله بأن ينصر الأمة؟!
بماذا تفسر استعلاء اليهود وقيامهم بإذلالنا وهم الذين كتب الله عليهم الذلة والمسكنة؟!
..عن أنس بن مالك مرفوعًا: «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل للعامة، فيقول الله: ادع لخاصتك أستجب، وأما العامة فلا، فإني عليهم غضبان»([5]).
وعن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم»([6]).
مشكلتنا إيمانية:
من هنا نقول بأن مشكلة أمتنا إيمانية بالدرجة الأولى، ولن ينصلح حالها، ولن تستعيد عافيتها إلا بالإيمان، فتستبدل بذلك غضب الله برضاه، ومن ثمَّ تستدعى نصره وتمكينه ]وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[ [الروم: 47].
وليس معنى القول بأن مشكلة أمتنا مشكلة إيمانية هو ترك الأخذ بأسباب التقدم المادية التي أخذت بها سائر الأمم، أو ترك الجهاد لتبليغ الدعوة وإقامة المشروع الإسلامي، بل المقصد هو إعادة ترتيب الأولويات، فالإيمان أولاً، ثم يلي ذلك توجيه وتصريف الطاقة التي يولدها ذلك الإيمان في المجالات المختلفة، والسعي الدؤوب لاستكمال المشروع الإسلامي الذي يبدأ بإصلاح الفرد، فالبيت، فالمجتمع، وينتهي بأستاذية العالم ]وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ[ [الأنفال: 39].
مع الأخذ في الاعتبار أن أهم عامل لنجاح هذا المشروع هو وجود المسلم الصحيح الذي مكَّن لله في قلبه، فانعكس ذلك على سائر حياته ليتحقق فيه قوله تعالى: ]قُل إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ [الأنعام: 162].
ولا يمكن أن يظهر هذا النموذج إلا بالإيمان، فالإيمان هو الوقود الذي يولِّد الطاقة الدافعة للقيام بالواجبات المختلفة في أي زمان ومكان ]لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ` إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ[ [التوبة: 44، 45].
ولك أن تتأمل ما قاله المصلحون في هذا الشأن
إذا وُجد المؤمن الصحيح وجدت معه وسائل النجاح جميعًا
إن محمدًا عليه الصلاة والسلام لم يعمد إلى إصلاح اقتصادي أو أخلاقي أو صحي أو سياسي أو إداري أو علمي. ولكنه عمد إلى إصلاح الإيمان .. فكان من بعد ذلك كل إصلاح وكل قوة وكل خير، ولا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها.
فصاحب الإيمان هو السبيل الوحيد لعلاج أنواع الانحرافات؛ ذلك أن صاحب الإيمان يندفع في تحقيق أهدافه، وهو إنسان ملأت نفسه عقيدته، فهو يعيش من أجلها ويرضى بكل أذى في سبيلها .. ويبذل فيها جهده وكل غال ورخيص..
صاحب الإيمان إن لم تكن لديه الوسائل الكاملة سعى إلى إيجادها ولو كان أمرًا مستحيلاً.. إن مثل هذا الإنسان يصيح بالناس ويترك فيهم أقوى الآثار ولو كان أبكما.
فالوسيلة الفعالة القوية هي تكوين أمثال هؤلاء الرجال، والإصلاح الذي نرقبه لا يتم إلا في إيجاد أمثال هؤلاء.
شلال الإيمان:
معنى ذلك أن الفرد الذي اشتعلت جذوة الإيمان في قلبه هو أكثر الأفراد إنتاجًا في الدعوة وخدمة للإسلام، ويكفيك دليلا على ذلك أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قد تعلم السريانية في سبعة عشر يوما، عندما أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بتعلمها، بل وصار ماهرًا بها .. يقول زيد بن ثابت: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علىَّ أو يَنْقُصوا، فتعلَّم السريانية» فتعلمتها في سبعة عشر يومًا([11]).
.. إن الطاقة النووية – كما يقول أبو الحسن الندوي – لا تساوي الطاقة التي يولدها الإيمان في قلب المؤمن.
.. هذا الإيمان يستطيع أن يصنع عجائب كما صنع عجائب من قبل، ويحل كل مشكلات الأمة أولاً، والإنسانية ثانيًا، لأن كل مشكلات الإنسان نبعت من عبادة النفس والشهوات، نبعت من الأنانية .. نبعت من النظر القاصر المحدود، نبعت من حب الرئاسة .. والإيمان يستطيع أن يتغلب على كل هذا، ويصنع من الأمة أمة جديدة([12]).
.. روى التاريخ أن جعفر بن أبي طالب أخذ راية رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة، فقاتل بها، حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه، فعقرها ثم قاتل، فقطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره فقطعت فاحتضن الراية بعضديه، حتى قتل، وله ثلاث وثلاثون سنة، ووجد المسلمون ما بين صدره ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة، ما بين ضربة سيف وطعنه بالرمح، كلها من الأمام، ومات فتى الفتيان وهو يحنُّ إلى الجنة، ويتغنى بنعمائها، ويستهين بزخارف الدنيا.
هل يتصور هذا من غير عقيدة تتغلغل في الأحشاء؟ ونشوة إيمانية تسرى في العروق؟ ولذة روحية تتغلب على الشعور بالألم؟!.
.. إن هذا الشلال من الإيمان والاحتساب، ورجاء الأجر والثواب، والشوق إلى الجنة، والحنين إلى الشهادة، والحب لله ولرسوله وللمؤمنين، لا زال بكرا، ولم يستخدم بعد، ولم يُقتبس منه هذا التيار المضئ المنير ..
هذا التيار كان يستطيع أن يملأ العالم كله نورًا وبهاءً، ويحل كل مشكلة، ولكنه شلال مظلوم .. إنه ضائع من قرون
مشكلة أمتنا الأولى هي: «ضعف شديد في الإيمان».
هذا هو التشخيص الصحيح للوضع القائم، ليبقى السؤال عن كيفية علاج هذا الضعف الحاد.
بلا شك هناك وسائل كثيرة لزيادة الإيمان، فالطاعات والأعمال الصالحة والقربات المختلفة تزيد الإيمان، ولكن تبقى أهم وأعظم وسيلة لزيادته هي: القرآن ]وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا[ [الأنفال: 2]. فالقرآن منبع عظيم للإيمان لا مثيل له .. ألا تراه ينادي على الجميع أن هلموا إلىَّ واستكملوا نقص إيمانكم، فمنابعي ممتلئة وجاهزة لإمدادكم جميعًا بما تحتاجونه من إيمان ]رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا[ [آل عمران: 193].
يقول محمد بن كعب القرظي: «المنادي هو القرآن، ليس كلهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم»
فالقرآن له قوة تأثير ضخمة على القلوب لا يناظره فيها مصدر آخر .. وكيف لا، وهو كلام رب العالمين الذي إذا استقبلته الجبال الرواسي تصدعت واندكت من قوة تأثيره عليها ]لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ[ [الحشر: 21].
فإن كان الإيمان للقلب كالروح للبدن، فإن القرآن يمثل العمود الفقري لهذا الإيمان؛ لذلك ليس عجبا أن يُسمى القرآن بالروح: ]وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا[ [الشورى: 52].
يقول مونتاي: إن مثل الفكر العربي الإسلامي المبعد عن التأثير القرآني كمثل رجل أفرغ من دمه.
إن القرآن – كما يقول محمد إقبال- ليس بكتاب فحسب .. إنه أكثر من ذلك، إذا دخل القلب تغير الإنسان وإذا تغير الإنسان تغير العالم.
ويقول د. فريد الأنصاري: إنه لا شيء أقدر من القرآن على بناء الإنسان: عقيدة وعبادة وسلوكا اجتماعيا.
إن القرآن هو مفتاح النفس الإنسانية، فمن أخطأ القرآن فقد أخطأ المفتاح
ولو تأملنا في دعوات المصلحين لوجدناها تنطلق من هذا المفهوم.
فهذا إمام الدعاة في العصر الحديث حسن البنا يخاطب من حوله وهو يعرِّفهم بمهمتهم فيقول: أنتم روح جديد يسري في قلوب هذه الأمة فيحييه بالقرآن.
وهذا محمد البشير الإبراهيمي صديق عبد الحميد بن باديس ورفيق كفاحه يقول عنه: وله في القرآن رأي بنى عليه كل أعماله في العلم، والإصلاح، والتربية، والتعليم، وهو أنه: (لا فلاح للمسلمين إلا بالرجوع إلى هدايته، والاستقامة على طريقته)، وهو رأي الهداة المصلحين من قبله.
وهذا آخر يقول: يا أيها المسلمون احملوا القرآن وانهضوا، وحلِّقوا فوق العالم، فليس من شأننا أن نلهث وراء العالم، بل علينا أن نشده إلى مبادئنا وأصولنا.
.. إن حياتي ومماتي وقف على هذا الهدف النبيل، وسوف أسير قُدُما،حتى لو لم يتقدم معي أحد، وسوف أسير وحيدًا إذا لم يرافقني أحد، ولو اتَّحدت الدنيا وخالفتني، فلن أخشى خوض المعركة وحيدًا منفردًا.
.. هذا المعنى العظيم الذي اتفق عليه هؤلاء المصلحون وغيرهم لم يأت من فراغ، فنموذج الجيل الأول يؤكده.. هذا الجيل عندما أحسن أبناؤه التعامل مع القرآن، وحين استقبلته قلوبهم الاستقبال الصحيح كانت النتيجة سريعة ومذهلة... سيادة الأرض في سنوات قليلة.
إنهم صُنعوا ها هنا:
فإن كان التحقق بالإيمان والربانية هو أهم صفات جيل التمكين، فليس عجبًا أن يكون الصحابة رضوان الله عليهم قد تحققت فيهم هذه الصفة على خير ما يكون، وأن يكون السبب الرئيس في هذا هو القرآن،
ويقول آخر من كبار المهتمين بالأمة:
«لقد كنت وأنا أراجع سيرة الجماعة المسلمة الأولى أقف أمام شعور هذه الجماعة بوجود الله – سبحانه – وحضوره في قلوبهم وفي حياتهم، فلا أكاد أدرك كيف تم هذا؟!
إنهم صُنعوا ها هنا! صنعوا بهذا القرآن! بهذا المنهج المتجلى فيه! بهذه الحقيقة المتجلية في هذا المنهج! حيث تحيط هذه الحقيقة بكل شيء، وتغمر كل شيء، ويصدر عنها كل شيء، ويتصل بها كل شيء! ويتكيف بها كل شيء ..
بهذا كله وجدت – في الأرض وفي دنيا الناس- حقيقة «الربانية» متمثلة في أناس من البشر..
وُجد «الربانيون» الموصولون بالله، العائشون بالله، ولله، والذين ليس في قلوبهم وليس في حياتهم إلا الله..
وحينما وجدت حقيقة «الربانية» هذه في دنيا الناس، ووجد الربانيون الذين هم الترجمة الحية لهذه الحقيقة .. حينئذ انساحت الحواجز الأرضية، والمقررات الأرضية، والمألوفات الأرضية .. ودبت هذه الحقيقة على الأرض .. وصنع الله ما صنع في الأرض وفي حياة الناس بتلك الحفنة من العباد.
وبطلت الحواجز التي اعتاد الناس أن يروها تقف في وجه الجهد البشري وتحدد مداه، وبطلت المألوفات التي يقيس بها الناس الأحداث والأشياء .. ووجد الواقع الإسلامي الجديد، وولد معه الإنسان الحقيقي الجديد»..
القرآن مخرجنا:
من هنا نقول بأنه إذا كان القرآن قد صنع الجيل الأول، فإنه قادر بإذن الله أن يصنع أجيالاً وأجيالاً ربانية جديدة، وأن يخرج الأمة من أزمتها، ويعيد لها مكانتها.
وليس هذا الكلام من قبيل الأماني والأحلام بل هو حقيقة أكدها التاريخ، وأخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي حديث حذيفة بن اليمان حين أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سيحدث من اختلاف وفرقة بعده. قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك، قال: «تعلَّم كتاب الله عز وجل، واعمل به فهو المخرج من ذلك».
قال حذيفة: فأعدت عليه ثلاثًا، فقال صلى الله عليه وسلم ثلاثًا: «تعلَّم كتاب الله عز وجل واعمل به فهو النجاة»([23]).
وخطب صلى الله عليه وسلم في مرجعه من حجة الوداع، فكان مما قال: «كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به، وأخذ به، كان على الهدى، ومن أخطأه ضل»([24]).
وخرج يوما صلى الله عليه وسلم على أصحابه، وهم جلوس ينتظرونه، فلما خرج عليهم جلس معهم وقال: «أبشروا ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتشهدون أني رسول الله؟ وتشهدون أن هذا القرآن من عند الله؟».
قالوا: نعم نشهد على هذا.
قال: «أبشروا فإن هذا القرآن سببٌ من عند الله طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به فلا تضلوا، ولا تهلكوا بعده أبدًا»([25]).
وعندما حدثت فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ذهب عبد الرحمن ابن أبزى إلى أُبي بن كعب رضي الله عنه ليسأله: أبا المنذر ما المخرج؟ قال: كتاب الله، ما استبان لك فاعمل به وانتفع، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه([26]).
ولما أحس الصحابي جُندب بن عبد الله البجلي بقدوم طلحة والزبير، وخاف القتال، فخرج يريد الحجاز، فتبعه قوم، فجعلوا يقولون: أوصنا، فقال: اقرأوا القرآن، فإنه نور الليل المظلم، وضياء النهار، فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقة([27]).
وكان ابن عباس يقول: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك أن الله تعالى يقول: ]فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى [ [طه: 123] ([28]).
ونتابع أقواله:
أنتم لستم جمعية خيرية، ولا حزبًا سياسيًا، ولا هيئة موضعية لأغراض محدودة المقاصد...
ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن.
ونور جديد يُشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله. وصوت داوٍ يعلو مرددًا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم
لقد عاد هذا الدين غريبًا كما بدأ.. فمن هم يا ترى أولئك «الغرباء» الذين يحملون راية التوحيد الخالص ليبدأوا الجولة الثانية كما بدأ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الجولة الأولى؟ ليخُرجوا من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد؟
إن الراية تنتظر العصبة المؤمنة.. وهذا القرآن حاضر..
وريح الجنة تفوح من بعيد.. لا.. بل من قريب..
هذه خلاصة تجربة أحد الدعاة الكبار الفاعلين لا أقول من جماعة أخرى فلسنا ولا هم إلا أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم نجتهد لإعلاء كلمة الله والبحث عن مخارج وحصول رضاء الله ونصرته.
وأزيد ما يلي:
أولا أقتبس قول الشيخ الفاضل: "ولكن تبقى أهم وأعظم وسيلة لزيادته هي: القرآن "
وأقول: بل هي الدعوة إلى الله سيدي.
العلاج الأساسي مع ماذكره شيخي سابقا لكن هذا الذي أذكره هو الأول وتركه هو السبب في حصول ما حصل:
عمل الأمة الأساسي جميع من هو مسلم هو الدعوة إلى الله وأقصد النوع الذي لا ينفك عنها كل مسلم، وهو:
الدعوة الاساسية الفطرية (دعوة عامة لاينفك عنها كل مؤمن) وهذا لايترك بأي حال ولا ينفك عنه كل مسلم من العوام حتى العلماء وأهل كل صنعة (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين).
المقصود بلفظ الدعوة إلى الله
الإنسان يتكلم دائما حول أقوى إهتماماته، التجار يتكلمون في تجارتهم، السباكون، المزارعون، الأطباء، المرضي في المستشفيات، أصحاب السيارات ومعارضها، الجزارون، وإذا جاء مزارع أو صاحب معرض سيارات في بيئة أطباء فهو يستمع والعكس كذلك...
لذلك فطريا فالمؤمن بأنه لا عظيم في عينه وفي قلبه سوى الله ولا محبوب له سوى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا جليل أمامه سوى الجنة وما وعد الله فهل يتحدث أو يحب أن يسمع سوى عن الجنة وما وعد الله وعن ربه محبوبه وعن نبيه حبيبه؟؟؟!!!
إذاً، فالتاجر المؤمن أو الحاكم المؤمن أو الطبيب المؤمن أو المهندس المؤمن كيف يفعل؟ هل يمكن الجمع بين عمله وهذه الدعوة التي نتحدث عنها هنا
مادام قلبه متعلق بربه حبا وتعظيما وكذا بالآخرة الأبقي وبنبيه الحبيب إليه فهو حكيم وعلى بصيرة، المهم قلبه ليس متوجه لغير الله فلذلك تجد مثل هؤلاء وقد وجدناهم في المناصب الكبرى والتجارات الكبيرة بل منهم علماء صناعة الذرة والإلكترونيات وكبار أطباء، أحدهم يقوم بعمله على أكمل وجه ويتكلم مع من يختلط معهم عما يحب هو، وخاصة إذا فتحوا هم أمامه محبوباتهم وما يعظمونه من مال وعقار وحكومات فيبدأ بتوجيههم للعظيم حقيقة.....
ميدانها: كل المسلمين وغير المسلمين والإنس والجن، أمام كل أحد نكبر ربنا حتى الزوج أمام زوجته والزوجة أمام زوجها، الجميع بما أنه مسلم فلا يكبر في مجالسه غير الله ولا حديث له سوى الدار الأبدية ولا مقابلة أو مقارنة للدنيا بالآخرة. هذا هو الأصل الذي عندما تركناه دخل السوس في القلوب وهو حب وتعظيم غير الله.
لذا عند ترك هذه الدعوة فمع وجود الدين يدخل ضعف الإيمان حتى يكون الإيمان في النزع الأخير وصاحبه عالم كبير أو عابد كبير وليس له هم إلا الجري خلف الدنيا واللهث وراء من يملكونها. ويبحث كيف يتملكها حتى لو باع دينه، أي: عبادته وعلمه. وكل هذا بسبب ترك هذه الدعوة الأساسية الفرضية.
للتوسع عن الدعوة الإيمانية التي لا بد من وجودها فطريا عند كل مسلم ولابد بدون تكلف يجد نفسه يتعامل بها كما كان يفعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،، عليك بهذين البحثين:
http://www.aljawlah.com/sefat/tadheyah/old/208-tabligh.html
http://www.aljawlah.com/sefat/tadheyah/212-tabligh.html
الخلاصة.... هل تجرؤ وتتجاسر وتتشجع وتفصل فتقول: إن حياتي ومماتي وقف على هذا الهدف النبيل، وسوف أسير قُدُما،حتى لو لم يتقدم معي أحد، وسوف أسير وحيدًا إذا لم يرافقني أحد، ولو اتَّحدت الدنيا وخالفتني، فلن أخشى خوض المعركة وحيدًا منفردًا.
لقد أطبق علينا الغار فهل نرتدي الأكفان انتظارًا للنهاية؟!

بمعنى أنك إذا ما ذكَّرت محدثيك بأن هذا الواقع الأليم الذي تحياه أمتنا منذ عقود طويلة ما هو إلا نتيجة لتفشى مرض ضعف الإيمان، والتخلي عن حمل الرسالة التي شرف الله الأمة بها، وأنه لن يتغير هذا الواقع إلا إذا تغيرت نفوسنا، وامتلأت قلوبنا بالإيمان، وأن أفضل وسيلة لذلك هي التعامل الصحيح مع القرآن...
إذا ما ذكَّرتهم بهذا الحل الذي أرشدنا إليه مالك هذا الكون، ومدبَّر أمره، وأكد عليه رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنك لا تكاد تجد آذانا مصغية لك وكأنه ينبغي علينا أن نظل في هذا التيه، ونرتدي الأكفان منتظرين أن تحين نهايتنا وتقوم قيامتنا!!
أو ننتظر – كما يقول البعض – حتى يظهر المهدي، أو ينزل المسيح عليه السلام!!
لقد انطبق حال الأمة الإسلامية اليوم – إلى حد بعيد – مع حال أصحاب الغار، الثلاثة الذي كانوا في سفر، وأرادوا أن يستريحوا قليلا فوجدوا غارًا في بطن جبل فدخلوا إليه، لتأتي العواصف والرياح فتزحزح صخرة وتدحرجها حتى تقف أمام باب الغار، وتسده بالكلية، وعبثا يحاول الثلاثة أن يزحزحوا الصخرة ولكنها لم تتحرك قيد أنملة .. فماذا يفعلون؟!
هل دب اليأس إليهم؟! لا، لم يحدث هذا بل تذكروا أن للصخرة والغار ربا هو ربهم ورب كل شيء ومليكه .. تذكروا قدرته المتناهية، وقيوميته الدائمة عليهم وعلى الكون كله، فأقبلوا عليه متضرعين، متبئسين، منكسرين، وبداخلهم يقين بأنه لن ينجيهم سواه ..
وعندما تلبست بهم هذه الحالة، وامتلأت قلوبهم بالإيمان واليقين بأنه لن ينجيهم سوى الله تحركت الصخرة تدريجيا، ليخرجوا بعد ذلك من الغار سالمين.
ونحن الآن نعيش في مرحلة انطباق الصخرة على فوهة الغار وجميعنا بداخله، ولقد جربنا لإزاحة تلك الصخرة حلولا كثيرة فلم تنجح، فلماذا – إذن – لا نفعل مثل ما فعل الثلاثة ونتوجه توجها صادقا نحو من بيده إخراجنا، ونسير وفق ما دلنا عليه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم عندما أكد على الطريقة التي بها يمكن للأمة أن تخرج من أي كبوة تمر بها؟!
لماذا لا نتجه إلى المخرج الصحيح؟!
.. نعم، إن الفتن التي تمر بالأمة في غاية القسوة والخطورة، ولكن لا زال الأمل موجودًا، والمخرج ميسرًا لنا جميعا للخروج من هذه الأزمة، وللنهوض من جديد، وذلك من خلال حسن الاتصال بالقرآن والاغتراف من منابع الإيمان فيه، فتتغير تبعا لذلك نفوسنا، ونعود فنحمل رسالتنا، فنستدعي بذلك رضا الله عز وجل فتنفرج الصخرة، وتعود أمتنا لسيرتها الأولى .. الأمة الرائدة، وتعتلى مقعد الأستاذية للبشرية جمعاء .. أستاذية الهداية ]لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ[ [البقرة: 143].
وإنني – بفضل الله عز وجل ومَنَّه وكرمه – على يقين تام بأن نهوض الأمة وعودة مجدها من جديد قادم لا محالة، وأن القرآن هو الذي سيقودها إلى ذلك على يد جيل رباني، قد سرى نور القرآن في قلبه، وهيمن عليه وأشعل جذوة الإيمان فيه، فلم يدعه يقر حتى ينقل هذا النور إلى قلوب غيره – بإذن ربه – فتحيا الأمة بالقرآن، وتتوحد تحت رايته.
إن هذا اليقين لا ينطلق من أحلام وأوهام، بل ينطلق من الكتاب والسنة وما فيهما من أدلة تؤكد ذلك، ومن خلال النموذج الفريد الذي صنعه القرآن، ومن الوصايا النبوية بضرورة التمسك بالقرآن عند حدوث الفتن، وأنه المخرج الآمن منها، وينطلق كذلك من النماذج المشرقة التي صنعها القرآن على مر التاريخ، خاصة تلك النماذج التي ظهرت في العصر الحديث، والتي تعطي دلالة قوية بإمكانية تكرارها.
لو تأملنا المرحلة التي تعيشها أمتنا منذ عقود طويلة لوجدناها تتشابه إلى حد كبير مع مرحلة التيه التي مر بها بنو إسرائيل عندما رفضوا دخول الأرض المقدسة.
فبعد أن نجى الله عز وجل موسى – عليه السلام – وقومه، وأغرق فرعون وملأه، سار موسى – عليه السلام – ببني إسرائيل متوجها نحو الأرض المقدسة، وطلب منهم أن يدخلوها معه، فلما علموا أن فيها قوما أشداء خافوا من مواجهتهم، ورفضوا الدخول وقالوا لموسى :عليه السلام ]إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ[ [المائدة: 24].
فكان العقاب الإلهي بأن يتيهوا في الأرض أربعين سنة +فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ" [المائدة: 26].
والجدير بالذكر أن بني إسرائيل ظلوا خلال هذه المدة يبحثون عن مخرج من التيه، وكلما توهموا مخرجا اندفعوا إليه، وبذلوا فيه جهدهم، ليفاجأوا بعد ذلك أنه سراب...
يقول ابن كثير: فحرمها الله عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ([2]).
... وكذلك نحن، فمنذ عقود طويلة والمخلصون من أبناء أمتنا يبحثون عن مخرج للأمة يُنقذها من تيهها، إلا أن هذا البحث – مع ما فيه من جهد وإخلاص- تنقصه حلقة مهمة لكي تكتمل السلسلة وتظهر النتيجة المرجوة، وتنفرج الصخرة انفراجًا يتيح للأمة الخروج من مأزقها الراهن.
.. هذه الحلقة المفقودة تُعنى بتشخيص السبب الرئيس لمرض أمتنا وكيفية علاجه، وتنطلق من مفهوم يقول بأن أمتنا ليست كبقية الأمم، وأن لها وضعا خاصا عند الله عز وجل، فهي الأمة المكلفة منه سبحانه بحمل رسالته الأخيرة للبشرية وتبليغها للعالمين: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ" [البقرة: 143].
هذا التكليف يستلزم بذل الجهد والوسع والطاقة للنجاح في القيام به.
(وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [الحج: 78].
فإن كانت أمتنا مكلفة من الله عز وجل بحمل رسالته للناس أجمعين، فإنها لن تستطيع أن تقوم بهذه المهمة إلا إذا تمثلت فيها الرسالة أولا، وهذا لا يمكن حدوثه بدون وجود قوة روحية هائلة تدفع أبناءها لمجاهدة أهوائهم وشهواتهم، وتمكِّن للدين في نفوسهم... هذه القوة الروحية هي قوة الإيمان.
فالإيمان الحي يولد داخل الفرد قوة دافعة تعينه وتيسِّر عليه القيام بتنفيذ ما تضمنته الرسالة، وتدفعه كذلك لتوصيلها للآخرين.
لذلك نجد أن الله عز وجل قد ربط بين علونا وقيادتنا للبشرية وبين الإيمان الذي تحمله صدورنا .. ألم يقل سبحانه: ]وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ[ [آل عمران: 139].
وقال: ]وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ[[الأنفال: 19].
فالحماية والولاية والكفاية والنصرة على قدر الإيمان:
]ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ[ [محمد: 11].
]وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً[ [النساء:141].
فالإيمان – إذن- هو أهم شرط للتمكين والاستخلاف في الأرض:
]وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا[ [النور: 55].
يوم أن يضعف الإيمان، ويتمكن الهوى وحب الدنيا من قلوب أبنائها، فإنها بذلك تفقد مصدر قوتها وتميزها على سائر الأمم، وليس ذلك فحسب، بل إن ضعف الإيمان وغلبة الهوى من شأنه أن يستدعي غضب الله عليها؛ لأنها بهذا الضعف لن تستطيع أن تبلغ رسالته، ومن ثَم فإن العقوبات ستتوالى عليها حتى تفيق من غفلتها، وتعود لإيمانها من جديد، لتنطلق بعد ذلك حاملة الدواء الرباني، ورسالة الرحمة والشفاء للمرضى والتائهين والحيارى في شتى بقاع الأرض.
فعندما يضعف الإيمان: يقوى الهوى وحب الدنيا، ويزداد الانجذاب نحو الأرض، ويشتد السعي في اتجاه تحصيل الشهوات، ومن ثم تخبو الرغبة في الجهاد لتبليغ الرسالة، فيؤدي هذا إلى استدعاء غضب الله على الأمة .. وهذا هو واقعنا الآن، والذي ينطبق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد: سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»([4]).
إن المتأمل المتدبر لواقع الأمة يجد أنها في مظانّ الغضب الإلهي، وإلا فبماذا تفسر عدم استجابة الدعوات المتواصلة الحارة والتي تلح على الله بأن ينصر الأمة؟!
بماذا تفسر استعلاء اليهود وقيامهم بإذلالنا وهم الذين كتب الله عليهم الذلة والمسكنة؟!
..عن أنس بن مالك مرفوعًا: «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل للعامة، فيقول الله: ادع لخاصتك أستجب، وأما العامة فلا، فإني عليهم غضبان»([5]).
وعن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم»([6]).
مشكلتنا إيمانية:
من هنا نقول بأن مشكلة أمتنا إيمانية بالدرجة الأولى، ولن ينصلح حالها، ولن تستعيد عافيتها إلا بالإيمان، فتستبدل بذلك غضب الله برضاه، ومن ثمَّ تستدعى نصره وتمكينه ]وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[ [الروم: 47].
وليس معنى القول بأن مشكلة أمتنا مشكلة إيمانية هو ترك الأخذ بأسباب التقدم المادية التي أخذت بها سائر الأمم، أو ترك الجهاد لتبليغ الدعوة وإقامة المشروع الإسلامي، بل المقصد هو إعادة ترتيب الأولويات، فالإيمان أولاً، ثم يلي ذلك توجيه وتصريف الطاقة التي يولدها ذلك الإيمان في المجالات المختلفة، والسعي الدؤوب لاستكمال المشروع الإسلامي الذي يبدأ بإصلاح الفرد، فالبيت، فالمجتمع، وينتهي بأستاذية العالم ]وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ[ [الأنفال: 39].
مع الأخذ في الاعتبار أن أهم عامل لنجاح هذا المشروع هو وجود المسلم الصحيح الذي مكَّن لله في قلبه، فانعكس ذلك على سائر حياته ليتحقق فيه قوله تعالى: ]قُل إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ [الأنعام: 162].
ولا يمكن أن يظهر هذا النموذج إلا بالإيمان، فالإيمان هو الوقود الذي يولِّد الطاقة الدافعة للقيام بالواجبات المختلفة في أي زمان ومكان ]لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ` إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ[ [التوبة: 44، 45].
ولك أن تتأمل ما قاله المصلحون في هذا الشأن
إذا وُجد المؤمن الصحيح وجدت معه وسائل النجاح جميعًا
إن محمدًا عليه الصلاة والسلام لم يعمد إلى إصلاح اقتصادي أو أخلاقي أو صحي أو سياسي أو إداري أو علمي. ولكنه عمد إلى إصلاح الإيمان .. فكان من بعد ذلك كل إصلاح وكل قوة وكل خير، ولا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها.
فصاحب الإيمان هو السبيل الوحيد لعلاج أنواع الانحرافات؛ ذلك أن صاحب الإيمان يندفع في تحقيق أهدافه، وهو إنسان ملأت نفسه عقيدته، فهو يعيش من أجلها ويرضى بكل أذى في سبيلها .. ويبذل فيها جهده وكل غال ورخيص..
صاحب الإيمان إن لم تكن لديه الوسائل الكاملة سعى إلى إيجادها ولو كان أمرًا مستحيلاً.. إن مثل هذا الإنسان يصيح بالناس ويترك فيهم أقوى الآثار ولو كان أبكما.
فالوسيلة الفعالة القوية هي تكوين أمثال هؤلاء الرجال، والإصلاح الذي نرقبه لا يتم إلا في إيجاد أمثال هؤلاء.
شلال الإيمان:
معنى ذلك أن الفرد الذي اشتعلت جذوة الإيمان في قلبه هو أكثر الأفراد إنتاجًا في الدعوة وخدمة للإسلام، ويكفيك دليلا على ذلك أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قد تعلم السريانية في سبعة عشر يوما، عندما أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بتعلمها، بل وصار ماهرًا بها .. يقول زيد بن ثابت: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علىَّ أو يَنْقُصوا، فتعلَّم السريانية» فتعلمتها في سبعة عشر يومًا([11]).
.. إن الطاقة النووية – كما يقول أبو الحسن الندوي – لا تساوي الطاقة التي يولدها الإيمان في قلب المؤمن.
.. هذا الإيمان يستطيع أن يصنع عجائب كما صنع عجائب من قبل، ويحل كل مشكلات الأمة أولاً، والإنسانية ثانيًا، لأن كل مشكلات الإنسان نبعت من عبادة النفس والشهوات، نبعت من الأنانية .. نبعت من النظر القاصر المحدود، نبعت من حب الرئاسة .. والإيمان يستطيع أن يتغلب على كل هذا، ويصنع من الأمة أمة جديدة([12]).
.. روى التاريخ أن جعفر بن أبي طالب أخذ راية رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة، فقاتل بها، حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه، فعقرها ثم قاتل، فقطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره فقطعت فاحتضن الراية بعضديه، حتى قتل، وله ثلاث وثلاثون سنة، ووجد المسلمون ما بين صدره ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة، ما بين ضربة سيف وطعنه بالرمح، كلها من الأمام، ومات فتى الفتيان وهو يحنُّ إلى الجنة، ويتغنى بنعمائها، ويستهين بزخارف الدنيا.
هل يتصور هذا من غير عقيدة تتغلغل في الأحشاء؟ ونشوة إيمانية تسرى في العروق؟ ولذة روحية تتغلب على الشعور بالألم؟!.
.. إن هذا الشلال من الإيمان والاحتساب، ورجاء الأجر والثواب، والشوق إلى الجنة، والحنين إلى الشهادة، والحب لله ولرسوله وللمؤمنين، لا زال بكرا، ولم يستخدم بعد، ولم يُقتبس منه هذا التيار المضئ المنير ..
هذا التيار كان يستطيع أن يملأ العالم كله نورًا وبهاءً، ويحل كل مشكلة، ولكنه شلال مظلوم .. إنه ضائع من قرون
مشكلة أمتنا الأولى هي: «ضعف شديد في الإيمان».
هذا هو التشخيص الصحيح للوضع القائم، ليبقى السؤال عن كيفية علاج هذا الضعف الحاد.
بلا شك هناك وسائل كثيرة لزيادة الإيمان، فالطاعات والأعمال الصالحة والقربات المختلفة تزيد الإيمان، ولكن تبقى أهم وأعظم وسيلة لزيادته هي: القرآن ]وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا[ [الأنفال: 2]. فالقرآن منبع عظيم للإيمان لا مثيل له .. ألا تراه ينادي على الجميع أن هلموا إلىَّ واستكملوا نقص إيمانكم، فمنابعي ممتلئة وجاهزة لإمدادكم جميعًا بما تحتاجونه من إيمان ]رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا[ [آل عمران: 193].
يقول محمد بن كعب القرظي: «المنادي هو القرآن، ليس كلهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم»
فالقرآن له قوة تأثير ضخمة على القلوب لا يناظره فيها مصدر آخر .. وكيف لا، وهو كلام رب العالمين الذي إذا استقبلته الجبال الرواسي تصدعت واندكت من قوة تأثيره عليها ]لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ[ [الحشر: 21].
فإن كان الإيمان للقلب كالروح للبدن، فإن القرآن يمثل العمود الفقري لهذا الإيمان؛ لذلك ليس عجبا أن يُسمى القرآن بالروح: ]وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا[ [الشورى: 52].
يقول مونتاي: إن مثل الفكر العربي الإسلامي المبعد عن التأثير القرآني كمثل رجل أفرغ من دمه.
إن القرآن – كما يقول محمد إقبال- ليس بكتاب فحسب .. إنه أكثر من ذلك، إذا دخل القلب تغير الإنسان وإذا تغير الإنسان تغير العالم.
ويقول د. فريد الأنصاري: إنه لا شيء أقدر من القرآن على بناء الإنسان: عقيدة وعبادة وسلوكا اجتماعيا.
إن القرآن هو مفتاح النفس الإنسانية، فمن أخطأ القرآن فقد أخطأ المفتاح
ولو تأملنا في دعوات المصلحين لوجدناها تنطلق من هذا المفهوم.
فهذا إمام الدعاة في العصر الحديث حسن البنا يخاطب من حوله وهو يعرِّفهم بمهمتهم فيقول: أنتم روح جديد يسري في قلوب هذه الأمة فيحييه بالقرآن.
وهذا محمد البشير الإبراهيمي صديق عبد الحميد بن باديس ورفيق كفاحه يقول عنه: وله في القرآن رأي بنى عليه كل أعماله في العلم، والإصلاح، والتربية، والتعليم، وهو أنه: (لا فلاح للمسلمين إلا بالرجوع إلى هدايته، والاستقامة على طريقته)، وهو رأي الهداة المصلحين من قبله.
وهذا آخر يقول: يا أيها المسلمون احملوا القرآن وانهضوا، وحلِّقوا فوق العالم، فليس من شأننا أن نلهث وراء العالم، بل علينا أن نشده إلى مبادئنا وأصولنا.
.. إن حياتي ومماتي وقف على هذا الهدف النبيل، وسوف أسير قُدُما،حتى لو لم يتقدم معي أحد، وسوف أسير وحيدًا إذا لم يرافقني أحد، ولو اتَّحدت الدنيا وخالفتني، فلن أخشى خوض المعركة وحيدًا منفردًا.
.. هذا المعنى العظيم الذي اتفق عليه هؤلاء المصلحون وغيرهم لم يأت من فراغ، فنموذج الجيل الأول يؤكده.. هذا الجيل عندما أحسن أبناؤه التعامل مع القرآن، وحين استقبلته قلوبهم الاستقبال الصحيح كانت النتيجة سريعة ومذهلة... سيادة الأرض في سنوات قليلة.
إنهم صُنعوا ها هنا:
فإن كان التحقق بالإيمان والربانية هو أهم صفات جيل التمكين، فليس عجبًا أن يكون الصحابة رضوان الله عليهم قد تحققت فيهم هذه الصفة على خير ما يكون، وأن يكون السبب الرئيس في هذا هو القرآن،
ويقول آخر من كبار المهتمين بالأمة:
«لقد كنت وأنا أراجع سيرة الجماعة المسلمة الأولى أقف أمام شعور هذه الجماعة بوجود الله – سبحانه – وحضوره في قلوبهم وفي حياتهم، فلا أكاد أدرك كيف تم هذا؟!
إنهم صُنعوا ها هنا! صنعوا بهذا القرآن! بهذا المنهج المتجلى فيه! بهذه الحقيقة المتجلية في هذا المنهج! حيث تحيط هذه الحقيقة بكل شيء، وتغمر كل شيء، ويصدر عنها كل شيء، ويتصل بها كل شيء! ويتكيف بها كل شيء ..
بهذا كله وجدت – في الأرض وفي دنيا الناس- حقيقة «الربانية» متمثلة في أناس من البشر..
وُجد «الربانيون» الموصولون بالله، العائشون بالله، ولله، والذين ليس في قلوبهم وليس في حياتهم إلا الله..
وحينما وجدت حقيقة «الربانية» هذه في دنيا الناس، ووجد الربانيون الذين هم الترجمة الحية لهذه الحقيقة .. حينئذ انساحت الحواجز الأرضية، والمقررات الأرضية، والمألوفات الأرضية .. ودبت هذه الحقيقة على الأرض .. وصنع الله ما صنع في الأرض وفي حياة الناس بتلك الحفنة من العباد.
وبطلت الحواجز التي اعتاد الناس أن يروها تقف في وجه الجهد البشري وتحدد مداه، وبطلت المألوفات التي يقيس بها الناس الأحداث والأشياء .. ووجد الواقع الإسلامي الجديد، وولد معه الإنسان الحقيقي الجديد»..
القرآن مخرجنا:
من هنا نقول بأنه إذا كان القرآن قد صنع الجيل الأول، فإنه قادر بإذن الله أن يصنع أجيالاً وأجيالاً ربانية جديدة، وأن يخرج الأمة من أزمتها، ويعيد لها مكانتها.
وليس هذا الكلام من قبيل الأماني والأحلام بل هو حقيقة أكدها التاريخ، وأخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي حديث حذيفة بن اليمان حين أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سيحدث من اختلاف وفرقة بعده. قال حذيفة: فقلت: يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك، قال: «تعلَّم كتاب الله عز وجل، واعمل به فهو المخرج من ذلك».
قال حذيفة: فأعدت عليه ثلاثًا، فقال صلى الله عليه وسلم ثلاثًا: «تعلَّم كتاب الله عز وجل واعمل به فهو النجاة»([23]).
وخطب صلى الله عليه وسلم في مرجعه من حجة الوداع، فكان مما قال: «كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به، وأخذ به، كان على الهدى، ومن أخطأه ضل»([24]).
وخرج يوما صلى الله عليه وسلم على أصحابه، وهم جلوس ينتظرونه، فلما خرج عليهم جلس معهم وقال: «أبشروا ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتشهدون أني رسول الله؟ وتشهدون أن هذا القرآن من عند الله؟».
قالوا: نعم نشهد على هذا.
قال: «أبشروا فإن هذا القرآن سببٌ من عند الله طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به فلا تضلوا، ولا تهلكوا بعده أبدًا»([25]).
وعندما حدثت فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ذهب عبد الرحمن ابن أبزى إلى أُبي بن كعب رضي الله عنه ليسأله: أبا المنذر ما المخرج؟ قال: كتاب الله، ما استبان لك فاعمل به وانتفع، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه([26]).
ولما أحس الصحابي جُندب بن عبد الله البجلي بقدوم طلحة والزبير، وخاف القتال، فخرج يريد الحجاز، فتبعه قوم، فجعلوا يقولون: أوصنا، فقال: اقرأوا القرآن، فإنه نور الليل المظلم، وضياء النهار، فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقة([27]).
وكان ابن عباس يقول: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك أن الله تعالى يقول: ]فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى [ [طه: 123] ([28]).
ونتابع أقواله:
أنتم لستم جمعية خيرية، ولا حزبًا سياسيًا، ولا هيئة موضعية لأغراض محدودة المقاصد...
ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن.
ونور جديد يُشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله. وصوت داوٍ يعلو مرددًا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم
لقد عاد هذا الدين غريبًا كما بدأ.. فمن هم يا ترى أولئك «الغرباء» الذين يحملون راية التوحيد الخالص ليبدأوا الجولة الثانية كما بدأ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الجولة الأولى؟ ليخُرجوا من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد؟
إن الراية تنتظر العصبة المؤمنة.. وهذا القرآن حاضر..
وريح الجنة تفوح من بعيد.. لا.. بل من قريب..
هذه خلاصة تجربة أحد الدعاة الكبار الفاعلين لا أقول من جماعة أخرى فلسنا ولا هم إلا أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم نجتهد لإعلاء كلمة الله والبحث عن مخارج وحصول رضاء الله ونصرته.
وأزيد ما يلي:
أولا أقتبس قول الشيخ الفاضل: "ولكن تبقى أهم وأعظم وسيلة لزيادته هي: القرآن "
وأقول: بل هي الدعوة إلى الله سيدي.
العلاج الأساسي مع ماذكره شيخي سابقا لكن هذا الذي أذكره هو الأول وتركه هو السبب في حصول ما حصل:
عمل الأمة الأساسي جميع من هو مسلم هو الدعوة إلى الله وأقصد النوع الذي لا ينفك عنها كل مسلم، وهو:
الدعوة الاساسية الفطرية (دعوة عامة لاينفك عنها كل مؤمن) وهذا لايترك بأي حال ولا ينفك عنه كل مسلم من العوام حتى العلماء وأهل كل صنعة (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين).
المقصود بلفظ الدعوة إلى الله
الإنسان يتكلم دائما حول أقوى إهتماماته، التجار يتكلمون في تجارتهم، السباكون، المزارعون، الأطباء، المرضي في المستشفيات، أصحاب السيارات ومعارضها، الجزارون، وإذا جاء مزارع أو صاحب معرض سيارات في بيئة أطباء فهو يستمع والعكس كذلك...
لذلك فطريا فالمؤمن بأنه لا عظيم في عينه وفي قلبه سوى الله ولا محبوب له سوى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا جليل أمامه سوى الجنة وما وعد الله فهل يتحدث أو يحب أن يسمع سوى عن الجنة وما وعد الله وعن ربه محبوبه وعن نبيه حبيبه؟؟؟!!!
إذاً، فالتاجر المؤمن أو الحاكم المؤمن أو الطبيب المؤمن أو المهندس المؤمن كيف يفعل؟ هل يمكن الجمع بين عمله وهذه الدعوة التي نتحدث عنها هنا
مادام قلبه متعلق بربه حبا وتعظيما وكذا بالآخرة الأبقي وبنبيه الحبيب إليه فهو حكيم وعلى بصيرة، المهم قلبه ليس متوجه لغير الله فلذلك تجد مثل هؤلاء وقد وجدناهم في المناصب الكبرى والتجارات الكبيرة بل منهم علماء صناعة الذرة والإلكترونيات وكبار أطباء، أحدهم يقوم بعمله على أكمل وجه ويتكلم مع من يختلط معهم عما يحب هو، وخاصة إذا فتحوا هم أمامه محبوباتهم وما يعظمونه من مال وعقار وحكومات فيبدأ بتوجيههم للعظيم حقيقة.....
ميدانها: كل المسلمين وغير المسلمين والإنس والجن، أمام كل أحد نكبر ربنا حتى الزوج أمام زوجته والزوجة أمام زوجها، الجميع بما أنه مسلم فلا يكبر في مجالسه غير الله ولا حديث له سوى الدار الأبدية ولا مقابلة أو مقارنة للدنيا بالآخرة. هذا هو الأصل الذي عندما تركناه دخل السوس في القلوب وهو حب وتعظيم غير الله.
لذا عند ترك هذه الدعوة فمع وجود الدين يدخل ضعف الإيمان حتى يكون الإيمان في النزع الأخير وصاحبه عالم كبير أو عابد كبير وليس له هم إلا الجري خلف الدنيا واللهث وراء من يملكونها. ويبحث كيف يتملكها حتى لو باع دينه، أي: عبادته وعلمه. وكل هذا بسبب ترك هذه الدعوة الأساسية الفرضية.
للتوسع عن الدعوة الإيمانية التي لا بد من وجودها فطريا عند كل مسلم ولابد بدون تكلف يجد نفسه يتعامل بها كما كان يفعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،، عليك بهذين البحثين:
http://www.aljawlah.com/sefat/tadheyah/old/208-tabligh.html
http://www.aljawlah.com/sefat/tadheyah/212-tabligh.html
الخلاصة.... هل تجرؤ وتتجاسر وتتشجع وتفصل فتقول: إن حياتي ومماتي وقف على هذا الهدف النبيل، وسوف أسير قُدُما،حتى لو لم يتقدم معي أحد، وسوف أسير وحيدًا إذا لم يرافقني أحد، ولو اتَّحدت الدنيا وخالفتني، فلن أخشى خوض المعركة وحيدًا منفردًا.
إرسال إلى صديق
المشاهدات: 1202
التعليقات (2)
RSS خاصية التعليقات...
في رأيي،،،، كلاهما:
الدعوة كما هو موصوف هنا
القرآن كما مذكور هنا وليس التلاوة والحفظ فقط.
"لقد عاد هذا الدين غريبًا كما بدأ.. فمن هم يا ترى أولئك «الغرباء» الذين يحملون راية التوحيد الخالص ليبدأوا الجولة الثانية كما بدأ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الجولة الأولى؟ ليخُرجوا من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد؟
إن الراية تنتظر العصبة المؤمنة.. وهذا القرآن حاضر..
وريح الجنة تفوح من بعيد.. لا.. بل من قريب.."
إنهم مبثوثون لا في جماعة معينة نزكيها بالكامل، ففي الجميع خصال حميدة وعيوب.. وننتظر الفرج بأن نكون متحابين أولا
الدعوة كما هو موصوف هنا
القرآن كما مذكور هنا وليس التلاوة والحفظ فقط.
"لقد عاد هذا الدين غريبًا كما بدأ.. فمن هم يا ترى أولئك «الغرباء» الذين يحملون راية التوحيد الخالص ليبدأوا الجولة الثانية كما بدأ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الجولة الأولى؟ ليخُرجوا من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد؟
إن الراية تنتظر العصبة المؤمنة.. وهذا القرآن حاضر..
وريح الجنة تفوح من بعيد.. لا.. بل من قريب.."
إنهم مبثوثون لا في جماعة معينة نزكيها بالكامل، ففي الجميع خصال حميدة وعيوب.. وننتظر الفرج بأن نكون متحابين أولا
,
March 01, 2011
...
...إن كل حياة لا تجديد فيها و لا ثورة أشبه بالموت ، إن أمة تحاسب عملها في كل زمان
سيف بتار في يد القدر ، لا يقاومه شيء و لا يقف في وجهه شيء ..!
...
إن كل مأثرة و كل إنتاج لم تذب فيه حشاشة النفس ناقص و جدير بالفناء و الزوال السريع و كل رنة أو نشيد لم يدم له القلب و لم تتألم به النفس قبل أن يصدر ضرب من العبث و التسلية و لا مستقبل له في المجتمع و عالم الأفكار ..!
...
إن الله رزقكم البصيرة النافذة و لا تزال فيكم الشرارة كامنة ..!
...
إن منبع القوة و مصدرها هو الدين ، منه يستمد المؤمن العزم و اليقين ..!
...
أنتم الحراس للدين و أمناء الله للعالمين ..
أنتم ورثة الأرض .. إذا تألق نجمكم في آفاق السماء أفلت نجوم الآخرين و طوي بساطهم، لن تسعهم الصحراء و الفيافي، فاضربوا خيمتكم في وجودكم الذي يسع الآفاق ...
و كونوا أسرع من العاصفة و أقوى من السيل حتى تسرع ركائبكم في مضمار الحياة و تسبق الريح ..!
...
إن يقين المسلم و إيمانه في عالم الظن و التخمين كمصباح الراهب في الصحراء في ظلمات الليل البهيم ..
مالذي أطاح بعروش كسرى و قيصر و قضى على ظلمهما و جورهما ..؟
إنه قوة علي ، و فقر أبي ذر ، و صدق سلمان .
...
ألا إن اليقين المحكم الجازم و العمل المستمر الحاسم و محبة الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم فاتح الشعوب و الأمم هي: السيوف المسلولة بأيدي الرجال الأبطال في معركة الحياة .
...
شق لك الطريق في اليباب القفار ، و حطم الجبال بسيلك العرم و تيارك العنيف و إن اعترضتك حديقة في الطريق فناغمها بجدولك الجميل المنساب الذي له خرير يسكر النفوس و يبهر الألباب .
...
إن علمك و حبك لا يعرفان الثغور و الحدود ، و لا يعتريهما الزوال و الفناء و ليس في قيثارة الكون أغنية أحلى منك .
...
.. إن المبدأ الذي يقرره القرآن :
أن قوت بني آدم من مائدة واحدة و أن الأسرة الإنسانية كلها كنفس واحدة .
أقول لك ما أؤمن به و أدين :
إنه ليس بكتاب فحسب ، إنه أكثر من ذلك ، إذا دخل في القلب تغير الإنسان ، و إذا تغير الإنسان تغير العالم ، إنه ظاهر و مستتر ، كتاب حي خالد ناطق ، إنه يحتوي على جدود الشعوب و الأمم ، و مصير الإنسانية .
هذا إقبال ... يخاطبنا
.
.................................................. ...............
" إن حياتي ومماتي وقف على هذا الهدف النبيل، وسوف أسير قُدُما،حتى لو لم يتقدم
معي أحد، وسوف أسير وحيدًا إذا لم يرافقني أحد، ولو اتَّحدت الدنيا وخالفتني، فلن
أخشى خوض المعركة وحيدًا منفردًا "
.
.
بإذن الله نستعد لنصرة دين الله و لانخشى في الله لومة لائم
.
جزاكم الله خيراااااااااااااا
.
سيف بتار في يد القدر ، لا يقاومه شيء و لا يقف في وجهه شيء ..!
...
إن كل مأثرة و كل إنتاج لم تذب فيه حشاشة النفس ناقص و جدير بالفناء و الزوال السريع و كل رنة أو نشيد لم يدم له القلب و لم تتألم به النفس قبل أن يصدر ضرب من العبث و التسلية و لا مستقبل له في المجتمع و عالم الأفكار ..!
...
إن الله رزقكم البصيرة النافذة و لا تزال فيكم الشرارة كامنة ..!
...
إن منبع القوة و مصدرها هو الدين ، منه يستمد المؤمن العزم و اليقين ..!
...
أنتم الحراس للدين و أمناء الله للعالمين ..
أنتم ورثة الأرض .. إذا تألق نجمكم في آفاق السماء أفلت نجوم الآخرين و طوي بساطهم، لن تسعهم الصحراء و الفيافي، فاضربوا خيمتكم في وجودكم الذي يسع الآفاق ...
و كونوا أسرع من العاصفة و أقوى من السيل حتى تسرع ركائبكم في مضمار الحياة و تسبق الريح ..!
...
إن يقين المسلم و إيمانه في عالم الظن و التخمين كمصباح الراهب في الصحراء في ظلمات الليل البهيم ..
مالذي أطاح بعروش كسرى و قيصر و قضى على ظلمهما و جورهما ..؟
إنه قوة علي ، و فقر أبي ذر ، و صدق سلمان .
...
ألا إن اليقين المحكم الجازم و العمل المستمر الحاسم و محبة الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم فاتح الشعوب و الأمم هي: السيوف المسلولة بأيدي الرجال الأبطال في معركة الحياة .
...
شق لك الطريق في اليباب القفار ، و حطم الجبال بسيلك العرم و تيارك العنيف و إن اعترضتك حديقة في الطريق فناغمها بجدولك الجميل المنساب الذي له خرير يسكر النفوس و يبهر الألباب .
...
إن علمك و حبك لا يعرفان الثغور و الحدود ، و لا يعتريهما الزوال و الفناء و ليس في قيثارة الكون أغنية أحلى منك .
...
.. إن المبدأ الذي يقرره القرآن :
أن قوت بني آدم من مائدة واحدة و أن الأسرة الإنسانية كلها كنفس واحدة .
أقول لك ما أؤمن به و أدين :
إنه ليس بكتاب فحسب ، إنه أكثر من ذلك ، إذا دخل في القلب تغير الإنسان ، و إذا تغير الإنسان تغير العالم ، إنه ظاهر و مستتر ، كتاب حي خالد ناطق ، إنه يحتوي على جدود الشعوب و الأمم ، و مصير الإنسانية .
هذا إقبال ... يخاطبنا
.
.................................................. ...............
" إن حياتي ومماتي وقف على هذا الهدف النبيل، وسوف أسير قُدُما،حتى لو لم يتقدم
معي أحد، وسوف أسير وحيدًا إذا لم يرافقني أحد، ولو اتَّحدت الدنيا وخالفتني، فلن
أخشى خوض المعركة وحيدًا منفردًا "
.
.
بإذن الله نستعد لنصرة دين الله و لانخشى في الله لومة لائم
.
جزاكم الله خيراااااااااااااا
.
,
March 01, 2011
أضف تعليق
| < السابق | التالي > |
|---|














